ألم تكن تلاوته - مجرد تلاوته - من رجل قرآني بسيط تُحْدِثُ انقلابا ربانيا عجيبا، وخرقا نورانيا غريبا في أمر المُلْكِ والملكوت؟ ألم تتنزل الملائكة ليلًا مثل مصابيح الثريا لسماع القرآن من رجل منهم، بات يَتَبَتَّلُ في سكون الدُّجَى، يناجي ربه بآيات من بعض سوره؟ (1)
(1) عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه أَنّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ رضي الله عنه؛ بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ؛ إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ. فَقَرَأَ؛ ثُمّ جَالَتْ أُخْرَىَ! فَقَرَأَ؛ ثُمّ جَالَتْ أَيْضًا! قَالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَىَ؛ [يعني: ابنه الصغير] فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظّلّةِ فَوْقَ رَأْسِي، فِيهَا أَمْثَالُ السّرُجِ! [جمع سِراج: وهي المصابيح] عَرَجَتْ فِي الْجَوّ حَتّى مَا أَرَاهَا! قَالَ فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللّه(، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي، إِذْ جَالَتْ فَرَسِي! فَقَالَ رَسُولُ اللّه(: «اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ!» قَالَ: فَقَرَأْتُ؛ ثُمّ جَالَتْ أَيْضًا! فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ(: «اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ!» قَالَ: فَقَرَأْتُ؛ ثُمّ جَالَتْ أَيْضًا! فَقَالَ رَسُولُ اللّه(: «اقْرَأ ابْنَ حُضَيْرٍ!» قَالَ: فَانْصَرَفْتُ. وَكَانَ يَحْيَىَ قَرِيبًا مِنْهَا، خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ. فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظّلّةِ. فِيهَا أَمْثَالُ السّرُجِ. عَرَجَتْ فِي الْجَوّ حَتّى مَا أَرَاهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللّه(: «تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ! وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النّاسُ، مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ!» رواه مسلم. وقد روى البخاري نحوه مختصرا.