الصفحة 5 من 21

وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَأَتَيْته وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ نُقِلَ عَنْهُ مِنْ التَّفْسِيرِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ . وَالنُّقُولُ بِذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَابِتَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ؛ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ . فَيُقَالُ: الِاخْتِلَافُ الثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ ؛ بَلْ وَعَنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ وُجُوهٍ: - ( أَحَدُهَا أَنْ يُعَبِّرَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ مَعْنَى الِاسْمِ بِعِبَارَةِ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ فَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ وَكُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ مَعَ أَنَّ كِلَاهُمَا حَقٌّ ؛ بِمَنْزِلَةِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَتَسْمِيَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسْمَائِهِ وَتَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِأَسْمَائِهِ فَقَالَ تَعَالَى: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } . فَإِذَا قِيلَ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ فَهِيَ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِمُسَمَّى وَاحِدٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِنْ كَانَ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى نَعْتٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ . وَمِثَالُ"هَذَا التَّفْسِيرِ"كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْسِيرِ { الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } فَهَذَا يَقُولُ: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهَذَا يَقُولُ هُوَ الْقُرْآنُ أَيْ اتِّبَاعُ الْقُرْآنِ وَهَذَا يَقُولُ: السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَهَذَا يَقُولُ: طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا يَقُولُ: طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّرَاطَ يُوصَفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا وَيُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَلَّ الْمُخَاطَبَ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ الصِّرَاطُ وَيَنْتَفِعُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ النَّعْتِ . ( الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَذْكُرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَنْ تَفْسِيرِ"الِاسْمِ"بَعْضَ أَنْوَاعِهِ أَوْ أَعْيَانِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْمُخَاطَبِ ؛ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ وَالْإِحَاطَةِ كَمَا لَوْ سَأَلَ أَعْجَمِيٌّ عَنْ مَعْنَى لَفْظِ"الْخُبْزِ"فَأُرَى رَغِيفًا وَقِيلَ هَذَا هُوَ فَذَاكَ مِثَالٌ لِلْخُبْزِ وَإِشَارَةٌ إلَى جِنْسِهِ ؛ لَا إلَى ذَلِكَ الرَّغِيفِ خَاصَّةً . وَمِنْ هَذَا مَا جَاءَ عَنْهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } . فَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنَّ"الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ"هُوَ الْمُفَرِّطُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ وَ"الْمُقْتَصِدُ": الْقَائِمُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَ"السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ": بِمَنْزِلَةِ الْمُقَرَّبِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ حَتَّى يُحِبَّهُ الْحَقُّ . ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَذْكُرُ نَوْعًا مِنْ هَذَا . فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ:"الظَّالِمُ"الْمُؤَخِّرُ لِلصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا وَ"الْمُقْتَصِدُ"الْمُصَلِّي لَهَا فِي وَقْتِهَا وَ"السَّابِقُ"الْمُصَلِّي لَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا حَيْثُ يَكُونُ التَّقْدِيمُ أَفْضَلَ . وَقَالَ آخَرُ:"الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ"هُوَ الْبَخِيلُ الَّذِي لَا يَصِلُ رَحِمَهُ وَلَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ وَ"الْمُقْتَصِدُ"الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَالْإِعْطَاءِ فِي النَّائِبَةِ وَ"السَّابِقُ"الْفَاعِلُ الْمُسْتَحَبَّ بَعْدَ الْوَاجِبِ كَمَا فَعَلَ ( الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ حِينَ جَاءَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ؛ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ هَذَا يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا . وَقَالَ آخَرُ:"الظَّالِمُ لِنَفَسِهِ"الَّذِي يَصُومُ عَنْ الطَّعَامِ لَا عَنْ الْآثَامِ وَ"الْمُقْتَصِدُ"الَّذِي يَصُومُ عَنْ الطَّعَامِ وَالْآثَامِ وَ"السَّابِقُ"الَّذِي يَصُومُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُقَرِّبُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى - وَأَمْثَالُ ذَلِكَ - لَمْ تَكُنْ هَذِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت