سكون، والنصب فيه التنوين ثم الوقف عليه فيصير حرف مدّ، وحين تكون فواصل السورة ساكنة كالنون والميم يأتي الرفع مثل:
-) إن الله غفور رحيم (( البقرة:192) .
-) والله غفور رحيم (( الأنفال:70)
وحين تكون فواصل السورة منصوبة يستعمل القرآن إمكانات النصب المتعددة في العربية لتحقيق النصب في الفاصلة، ومنه:
-) إن الله كان غفورًا رحيمًا (( النساء:43)
-) وكان الله غفورًا رحيمًا (( الأحزاب:59)
والفعل كان من الأفعال المساعدة في العربية، وهو يفيد في هذا السياق الاستمرار، ولكنه أُدخل في التركيب لمراعاة الفاصلة حيث يعمل النصب في الخبر الواقع فاصلة حين تكون الفواصل منصوبة
وفواصل سورة النساء أكثرها منصوب، وللنصب عوامل متعددة، منها النصب على أنه خبر كان أو مفعول به أو مفعول لأجله أو مصدر أو تمييز ... إلخ، وتستأثر كان بالنصيب الأكبر في نصب الفاصلة في القرآن الكريم، وفي سورة النساء نصبت الفاصلة بكان في (56) موضعًا من مجموع فواصل السورة وهو (176) أي بنسبة 39% تقريبًا من فواصل السورة، وسنجد ذلك كثيرًا أيضًا في فواصل سور الكهف ومريم والأحزاب والفرقان والفتح مما ورد منصوبًا منونًا.
8 -الفاصلة وتصوير اللوحة القرآنية: إن في القرآن لوحات جمالية ناطقة معبرة، هذا بعض ما توصلت إليه بعد تدبّر لهذا الكتاب الخالد، واللوحة القرآنية تحديدًا مجموعة آيات متتابعات في موضوع واحد، وهي لوحة تتسم بالحياة والخلود، وتعرف طريقها إلى الفطرة، فالفطرة من خلق الله، والقرآن كلام الله، وهما إذن يتلاقيان عندما تسلم الفطرة من الآفات الكثيرة التي تفسدها، وعندما تصفو النفس والعقل والقلب لتلقي القرآن، هنالك يُرجى لبذور العلم النافع أن تنبت وتزهر، وللثمرات أن تكون ناضجات طيبات.
إن اللوحة القرآنية لوحة بديعة حية متحركة نابضة، ترضي العقل وتشبع الذوق السليم والوجدان المرهف، وتمتزج فيها العناصر المكونة امتزاجًا بديعًا، حيث يؤدي كل عنصر دوره في السياق في انسجام تام يجعل جمال اللوحة يتسرب إلى المتلقي، فتؤدي اللوحة - حسب استعداد المتلقي - الغرض المراد منها، وهو أولًا وآخرًا الهداية إلى طريق الحق، ومن صور الهداية هذه التمتع بجمال القرآن وإعجازه ... ) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (( محمد:24)
والقرآن يعتمد التصوير أساسًا من أسس التعبير فيه، وبعد تدبر لآي القرآن وجدت أن الفاصلة عنصر أساسي من عناصر التصوير باللوحة القرآنية، حيث إن اللوحة القرآنية بتعريفها الذي قدمت تتبع كل آياتها تقريبًا فاصلة واحدة أو فواصل متقاربة الإيقاع، حتى إذا تمت اللوحة وبدأت لوحة جديدة أو موضوع جديد من موضوعات السورة تغيرت الفاصلة، وهي بذلك تدخل عنصرًا أساسيًا من عناصر تكوين اللوحة القرآنية.
وهذه اللوحات تعتمد الدلالة واللفظ بما يحمله من أصوات وإيقاع عناصر مكونة للوحة، ويتضح هذا كثيرًا في السور المكية القصار على وجه الخصوص، وسنجد أن للوحة القسم- على سبيل المثال - في بدايات هذه السور