…عالج الإسلام الإنسان معالجة كاملة لإيجاد شخصية معينة له متميزة عن غيرها. فعالج بالعقيدة أفكاره، إذ جعل له بها قاعدة فكرية يبني عليها أفكاره، ويكوّن على أساسها مفاهيمه، فيميّز الفكر الصائب من الفكر الخاطئ حين يقيس هذا الفكر بالعقيدة الإسلامية، يبنيه عليها باعتبارها قاعدة فكرية. فتتكون عقليته على هذه العقيدة، وتكون له بذلك عقلية متميزة بهذه القاعدة الفكرية، ويوجد لديه مقياس صحيح للأفكار، فيأمَن بذلك زلل الفكر، ويتقي الفاسد من الأفكار، ويظل صادق الفكر سليم الإدراك.
…وفي نفس الوقت عالج الإسلام أعمال الإنسان الصادرة عن حاجاته العضوية وغرائزه بالأحكام الشرعية المنبثقة عن هذه العقيدة نفسها معالجة صادقة، تنظم الغرائز ولا تكبتها، وتنسقها ولا تطلقها، وتهيئ له إشباع جميع جوعاته إشباعًا متناسقًا يؤدي إلى الطمأنينة والاستقرار. فالإسلام قد جعل العقيدة الإسلامية عقلية، فصلحت لأن تكون قاعدة فكرية تقاس عليها الأفكار، وجعلها فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة. وبما أن الشخص إنسان يحيا في الكون فقد حَلّت له هذه الفكرة الكلية جميع عقده في الداخل والخارج، فصلحت لأن تكون مفهومًا عامًا، أي مقياسًا يُستعمل طبيعيًا حين يجري الامتزاج بين الدوافع والمفاهيم، أي مقياسًا تتكون على أساسه الميول. وبذلك أوجد عند الإنسان قاعدة قطعية كانت مقياسًا قطعيًا للمفاهيم والميول معًا، أي للعقلية والنفسية في وقت واحد. وبذلك كوّن الشخصية تكوينًا معينًا متميزًا عن غيرها من الشخصيات.