وقوله {وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.
وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذى يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة في الأنفس، ويستقر رأسا في القلوب.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: بم تعلق قوله: {في أَنْفُسِهِمْ} قلت: بقوله {بَلِيغًا} أى: قبل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.
أو يتعلق بقوله {وَقُل لَّهُمْ} . أى: قل لهم في أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما في قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.
فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغًا يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبى صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة.
وهذه الطرق هى الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم في الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذى يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون وهذه الطرق هى أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب في جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.
وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات في بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك قول الفخر الرازى: قال القاضى: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه - تعالى - قال {يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} . فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به.
ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله. كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله.
الثانى: قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} . . إلى قوله {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . وهذا نصف في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.