الصفحة 5 من 12

تتسم بالإذعان والرضوخ لرأي المصرف، فأدرجوها ضمن عقود الإذعان - في الغالب- نظرًا لتعذر مناقشة الشروط الجوهرية والشكلية أيضًا في العقد المبرم (80) . ... والذي يذكره القانونيون يستدعى الانتباه إلى أن العقود المالية بخاصة ينبغي أن تكون بدون إذعان؛ برضائية الطرفين وبكامل حريتهما، وهذا ما يؤكد ضرورة أن تكون العقود المصرفية شرعية، متوافقة مع أصول الشرع وقواعد الدين، إذ إن العقود عندما تكون مستندة إلى أحكام الشريعة فإنها تحقق المصالح للناس، وما يحقق المصالح ليس فيه استغلال ولا ظلم، بل هو تعاون وتضامن. ... وإذا كان الرضا هو الأساس، فهل هناك حرية في التعاقد واختيار النظام المناسب لإنشاء العقود أم هناك قيود؟ وبمعنى آخر: الأصل في العقود الحظر والمنع، أم الإباحة والفسح؟. ... للفقهاء رأيان (81) : ... *الرأي الأول: لفقهاء الظاهرية، القائلين بأن الأصل في العقود المنع حتى يقوم دليل على الإباحة، بمعنى أن كل عقد لم يثبت جوازُه بنص شرعي، فهو باطل ممنوع، ودليلهم: ... 1 - إن الشريعة شاملة لكل شيء، وقد بيّنت ما يحقق مصالح الأمة، ومنها العقود، وأقامتها على العدل، وليس من العدل ترك الحرية للناس في عقدِ ما يريدون من العقود، وما يشاؤون من تصرفات، وإلا هُدِمَت الشريعة. ... 2 - قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ" (82) ، وإذا تعاقد الناس بعقد لم يَردْ في الشريعة فقد أحلُّوا أو حرَّموا غير ما شرع الله. ... *والرأي الآخر: لبقية الفقهاء، القائلين بأن الأصل في العقود الإباحة ما لم يمنعها الشرع أو تخالف نصوص الشريعة، ودليلهم: ... 1 - إن الآيات الكريمة (83) ، والأحاديث الشريفة (84) التي ذكرت العقود والتجارة والتبادل لم تشترط لصحة العقد إلا الرضا والاختيار. ... 2 - قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (85) ، فقد أوجبت هذه الآية الوفاء بكل عقد دون استثناء. ... 3 - يَكفي في المعاملات ألا تُحَرِّمَها الشريعة؛ استصحابًا للمبدأ الأصولي، وهو: [الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء هو الإباحة] (86) ؛ لأن القصد في المعاملات رعاية مصالح الناس، فكل ما يحقق مصالحهم يكون مباحًا. ... وبإنعام النظر في هذين الرأيين، يمكن القول: ... إنَّه يصح التعامل بعقود جديدة لم تُعْرَف سابقًا، وذلك إما عن طريق قياسها على ما سبق، أو عن طريق الاستحسان، أو بالأخذ بمبدأ العرف الذي لا يصادم أصول الشريعة، ولا يخالف مبادئ الإسلام. ... فالالتزام بالشريعة- وبخاصة في مجال المعاملات- يكون في الأهداف والغايات والمقاصد، أما الوسائل وشكليات العقود، فيمكن أن تتغير إذا كانت تحقق مصالح العباد في المعاش والحياة، وترفع الحرج عنهم؛ بعيدًا عن الباطل والحرام (87) . ... إذًا، فالأصل الفقهي في المعاملات هو: الحل، وليس الحرمة، ولا تَحْرُم معاملة إلا إذا بانت مخالفتها للنص الشرعي، ولا يَبْطُل عقدٌ إلا إذا اتضح ضرره (88) ، فالشريعة لم تحَصِرْ التعاقد في موضوعات يمنع تجاوزها إلى موضوعات أخرى (89) ، وكل ما قيدته الشريعة هو منع الضرر والظلم والاستغلال. ... ومن الواضح أن المعاملات المصرفية ليس فيها ما يعوق أو يحول دون تقبلها في إطار الفقه الإسلامي؛ من ناحية كونها عقودًا أو معاملات جديدة غير معروفة عند الفقهاء الأقدمين، وكل ما يجب مراعاته هو التأكد من كون هذه العقود الجديدة لا تنطوي على مخالفة، أو تَعارُضٍ مع مقاصد الشريعة (90) وأهدافها. ... فالشريعة جاءت بكل ما فيه خيرُ العباد، وليس في شئ من أحكامها تضييق ولا حرج على الأمة، إذ إن أحد أسس التشريع الإسلامي (91) : عدم الحرج وعدم التضييق. ... يشهد لذلك القرآن والسنة النبوية: ... * أما القرآن فقول الله تبارك وتعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) (92) . ... وقوله عزَّ وجلَّ: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (93) . ... وقوله جلَّ ذكره: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (94) . ... وقد جاءت هذه المعاني السامية ضمن أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ... فعَنْ عَائِشَةَ (95) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا" (96) . ... وعن أبي موسى الأشعري (97) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا" (98) . ... وفي بيان سهولة تعاليم الإسلام، ويسر التشريع، ورفع الحرج، وعدم التضييق، يقول ابن القيم (99) : [إن الشريعة مبناها وأساسُها على الحِكَم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإنْ أُدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - أتم دلالة وأصدقها] (100) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت