الصفحة 29 من 51

فمن جعل المعرفة العقلية مقدمة على الدلالة النقلية يكون بذلك متخذًا العقل مشرعًا في دين الله تعالى بما لم يأذن به سبحانه ، وهذا والعياذ بالله غاية الإسفاف ونهاية الانحراف .

ومن هذا كله نخلص إلى أن المعتزلة في بداية مسيرهم مع العقل لم يريدوا به أن يكون حاكمًا على الشرع ، بل أرادوا أن العقل طريق إلى العلم بالحكم الشرعي ، ولكنهم بعد أن توغلوا في العقل بالغوا في تقديسه حتى جعلوه مقدمًا على الشرع وحاكمًا عليه ، ومن هنا حذر الإسلام الحنيف من الغلو لأنه لا يأتي في نهاية مطافه إلا بعواقب وخيمة وأضرار جسيمة.

المبحث السادس: العقل عند الأشاعرة

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: استعراض موقفهم من العقل

كان موقف الأشاعرة من العقل ناشئًا عن ردة فعل عنيفة من موقف المعتزلة منه ، فحيث بالغ المعتزلة في تقديس العقل وتهويل شأنه فقد بالغ الأشاعرة في تجميد العقل وسلبه القدرة على إدراك الحسن والقبح في الأشياء التي تُلامَسُ وتُشَاهَد .

... وليس ذلك افتراءً عليهم ، بل إن أقوالهم التي تفوهوا بها شاهد صدق على هذا المُدَّعَى ، وإذا اكتفيتَ بمثالين على ذلك فخذهما من قول الغزالي رحمه الله تعالى ( لا يستدرك حسن الأفعال وقبحها بمسالك العقول ، بل يتوقف دركها على الشرع المنقول ، فالحسن عندنا ما حسنه الشرع بالحث عليه، والقبيح ما قبحه بالزجر عنه والذم عليه) ((1) .

... ومن قول ابن برهان رحمه الله تعالى: ( أطلق أهل الحق أقوالهم بأن حسن الأشياء وقبحها لا يدرك بقضيات العقول، إنما يدرك بالسمع المنقول ) (2) .

وهذا يعني إقصاء العقل عن أهلية الصدارة لإثبات حسن أو قبح في شيء من الأشياء ، إذ ليس شأن ذلك إليه ، بل هو شأن الشرع وحده .

المطلب الثاني: دراسة موقف الأشاعرة من العقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت