وإذا كان في الطبيعة خواص لا تعرف الأطباء عللها البتة ؛ بل هي عندهم خارجة عن قياس الطبيعة ، تفعل بالخاصية ، فما الذي ينكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواص الشرعية ؟ هذا مع أن في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصحيحة ، وتقر لمناسبته.
فاعلم أن ترياق سم الحية في لحمها ، وأن علاج تأثير النفس الغضبية في تسكين غضبها ، وإطفاء ناره بوضع يدك عليه والمسح عليه ، وتسكين غضبه ، وذلك بمنزلة رجل معه شعلة من نار ، وقد أراد أن يقذفك بها فصببت عليها الماء وهي في يده حتى طفئت .
ولذلك أمر العائن أن يقول:"اللهم بارك عليه"؛ ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسان إلى المعين ، فإن دواء الشيء بضده ، ولما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد ؛ لأنها تطلب النفوذ فلا تجد ارق من المغابن وداخلة الإزار ، ولا سيما إن كان كناية عن الفرج ، فإذا غسلت بالماء بطل تأثيرها وعملها ، وأيضا فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص ، والمقصود: أن غسلها بالماء يطفئ تلك النارية ، ويذهب بتلك السمية وفيه أمر آخر: وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها تنفيذا ، فيطفئ تلك النارية والسمية بالماء ، فيشفي المعين .
وهذا كما أن ذوات السموم إذا قتلت بعد لسعها خف أثر اللسعة عن الملسوع ووجد راحة ، فإن أنفسها تمد أذاها بعد لسعها وتوصله إلى الملسوع فإذا قتلت خف الألم وهذا مشاهد ، وإن كان من أسبابه فرح الملسوع واشتفاء نفسه بقتل عدوه فتقوى الطبيعة على الألم فتدفعه ، وبالجملة: غسل العائن يذهب تلك الكيفية التي ظهرت منه ، وإنما ينفع غسله عند تكيف نفسه بتلك الكيفية ، فإن قيل: فقد ظهرت مناسبة الغسل فما مناسبة صب ذلك الماء على المعين ؟