حديث عرفجة بن أسعد أنّه قُطع أنفه يوم الكُلاب، فاتخذ أنفًا من وَرِق فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فاتخذ أنفًا من ذهب. [1]
فعرفجة لم يتخذ أنفًا من ذهب لحاجته للشم أو التنفس؛ لأنهما حاصلات بدون وجود البروز، وإنما اتخذه لتحسين المنظر وهذا يدل على مراعاة الحالة النفسيّة.
وهذا غير صحيح، لأنّ عرفجة لم يرتكب محرمًا لوجود الضرر النفسي، بل فعله مباح أصلًا، وهذا الحديث يدل على جواز إصلاح العيوب بالعمليات التجميليّة، ولا يدل على أن الضرر النفسي هو المعيار في الإباحة.
مع أن ضرر عرفجة رضي الله عنه غير ثابت أصلًا، فمن أين أخذ أنه أصابه ضرر نفسي سعى لإزالته بهذا الأنف؟.
فإن الضرر النفسي والحزن والهم وإن كانت معتبرة في زيادة ثواب الإنسان وتكفير سيئاته كما ورد في الحديث المرفوع: (ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) . [2]
ومع أن الشرع راعاه بمنع تسبب الإنسان في إيذاء أخيه ما يحزنه، لكنه غير معتبر في الشرع في تخفيف التكليف عن العبد، وغير معتبر في استباحة ما حرم الله سبحانه وتعالى.
سئل ابن تيمية عن رجل له مملوك هرب منه ثم رجع أخفى سكينة وقتل نفسه.
فأجاب:"لم يكن له أن يقتل نفسه وإن كان سيده قد ظلمه واعتدى عليه، بل كان عليه إذا لم يمكنه دفع الظلم عن نفسه أن يصبر إلى أن يفرّج الله، فإن كان سيّده ظلمه حتى فعل ذلك مثل أن يقتّر عليه في النفقة أو يعتدى عليه في الاستعمال أو يضربه بغير حق فإن على سيّده من الوزر بقدر ما نسب إليه في المعصية". [3]
فالتكليف مناطه الاستطاعة فمن قدر على امتثال الأوامر والنواهي لزمته، ولو كان فيها ما يكرهه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) . [4]
(1) سنن أبي داود (4232) ، سنن الترمذي (1691) ، والنسائي (8/ 163) ، وأحمد في المسند (5/ 25) .
(2) صحيح البخاري (5641) ؛ صحيح مسلم (2573) .
(3) مجموع الفتاوى (31/ 384) .
(4) صحيح البخاري (7288) ؛ صحيح مسلم (1337) .