الصفحة 46 من 111

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} .

22 -ومنها: إنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه فلا يزال مريضًا معلولا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها ولا دواء لها إلا تركها، وقد أجمع السائرون إلى الله أنا القلوب لا تعطي مناها حتى تصل إلى مولاها ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة ولا تكون صحيحه سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير دواءها ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها وهواها مرضها وشقاؤها فإن استحكم المرض قتل أو كاد.

وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه كذلك يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة، لا يشبه نعيم أهلها ألبتة بل التفاوت بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة، وهذا لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا ولا تحسب أن قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} مقصورعلى نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة كذلك أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشر من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وأعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله؟ بكل واد منه شعبة وكل شئ تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب. ثم يختم ابن القيم رحمه الله حديثه بقوله: فيا من باع حظه الغالي بأبخس الثمن وغبن كل الغبن في هذا العقد وهو يرى أنه قد غبن إذا لم تكن لك خبرة بقيمة السلعة فأسأل المقومين فيا عجبا من بضاعة معك الله مشتريها وثمنها جنة المأوى، والسفير الذي جرى على يده عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد بعتهابغاية الهوان، وانتهى.

وابن القيم هنا يشير إلى آية من كتاب الله حددت البائع والمشتري والمبيع والثمن والسفير بين البائع والمشتري وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت