الصفحة 220 من 390

اذن هذه الرواية قد ضعفها السبحاني سندًا ومتنًا ومع ذلك ادخلها في الروايات المتعارضة ، واتهم على اساسها عبد الله بن زيد بادخال التثويب .

الرواية الثالثة: رواية ابن سعد في طبقاته:

الرواية بالنص كما اوردها السبحاني:

اخبرنا احمد بن محمد بن الوليد الازرقي ، اخبرنا مسلم بن خالد ، حدثني عبد الرحيم بن عمر ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن عبد الله ابن عمر: ان رسول الله ( اراد ان يجعل شيئًا يجمع به الناس ... حتى اري رجل من الانصار يقال له عبد الله بن زيد ، واريه عمر بن الخطاب تلك الليلة ... الى ان قال:

فزاد بلال في الصبح (الصلاة خير من النوم) فاقرها رسول الله ( . انتهى.

اقول:

وهذه الرواية كسابقتيها ، الزيادة وردت عن بلال وليس عن عبدالله بن زيد كما يدعي السبحاني ، وبالاضافة الى ذلك:

تضعيف الرواية

فان السبحاني قد ضعف هذه الرواية حيث قال: وفي سندها: مسلم بن خالد بن قرقرة وقد عرفت ضعفه (1) (2) .

اذن هذه الرواية قد ضعفها السبحاني سندًا ومتنًا ومع ذلك ادخلها في الروايات المتعارضة (3)

(1) الاعتصام بالكتاب والسنة / جعفر السبحاني ص50]

(2) قال في ترجمته:

مسلم بن خالد بن قرقرة: ضعفه يحيى بن معين .

وقال علي بن المديني: ليس بشيء .

وقال البخاري: منكر الحديث .

وقال النسائي: ليس بالقوي .

وقال ابو حاتم: ليس بذاك القوي ، منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به ، تعرف وتنكر .

(3) منهج التشيع في الاستدلال

اقول:

ثمة أمران مهمان جدًا ينبغي بطالب العلم الوقوف عندهما مليًا ، لأنهما برأيي يكونان منهج التشيع في الاستدلال ، ولا يكاد شيعي كبيرًا أو صغيرًا يخرج عن واحدٍ منهما وكما عرفنا ذلك بالاستقراء .

وقبل بيان هذين الأمرين لا بد من التنويه على أن مناط الشبه التي تثار على أهل السنة إنما هي رواياتهم أنفسهم ، لأن الشيعة يعرفون جيدًا أنه لا صحة لمروياتهم عند أهل السنة و لا قدر لها و لا كرامة ، لأنها في الغالب لا ترقى إلى مصاف الصحيح إلا في النزر القليل الذي يكاد يُعّد على الأصابع ، و ليس في هذا القول بعدًا عن الحقيقة أو مجانية عن الصواب لأمرين:

أولهما:

أن رواياتهم وبشهادة علمائهم لا تخلو في معظمهما عن أصحاب المذاهب والعقائد الفاسدة ، وبالتالي يجب أن تكون ساقطة عن الاعتبار .

يقول شيخ الطائفة الطوسي:

إن كثيرًا من مصنفي أصحابنا ، وأصحاب الأصول ، ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة .

[ الفهرست / مقدمة المؤلف ص25 ]

ثانيهما:

وهو الأمر المهم هنا هو أن مصنفاتهم الحديثية هي في أغلبها منقولة أحاديثها عن الباقر أو الصادق ، وقليلة تلك الأحاديث المنقولة عن بقية الأئمة ، وأقل من القيل تلك الاحاديث المنقولة عن الرسول ( او عن علي وزوجه وابنيهما( رضي الله عنهم جميعًا ) ، وإذا كانت الأحاديث في معظمها منقولة عن الصادقين فهي باعتبار المحدثين ضعيفة ، حتى لو أقسم الصادقان بأن حديثهما حديث أبيهما وحديث أبيهما حديث جدهما وحديث جدهما حديث الرسول الله ( إلا أنها في أحسن أحوالها - إن قلنا بصحة السند الموصل إلى هذين الأمامين - أحاديث مرسلة أو معضلة ، وهذان النوعان من الحديث مدرجان تحت قسم الضعيف كما قرر ذلك ائمة هذا الشأن، ويعرفه صغار طلاب العلم .

من أجل ما تقدم فإن الاستدراك عند الشيعة في المسائل الخلافية كان منصبًا كما ذكرنا على الروايات السنية ، وهنا الأمران المهمان الذين تقدم التنويه عنهما سابقًا، فالشيعي أمام الروايات السنية قد وقع في محاذير عدة لا يكاد يفطن لها إلا من عرف خبث طوية القوم و سوء نواياهم ، وهذان الأمران هما:

[ 1 ] - إن الشيعي في كثير من المسائل الخلافية نجده يعتمد رواية - ربما ضعيفة أو لها تأويل سائغ - تثبت أمرًا موافقًا لهواه نحو رواية تثبت عدم مشروعية التثويب في الأذان ، في الوقت نفسه تراه يهمل كمًا كبيرًا من الروايات المثبتة لهذه المشروعية، ولكي لا يهتم بالانتقائية فإنه يعمد إلى رواية ضعيفة من بين الروايات الكثيرة والصحيحة في تلك المسألة ، ثم يعمل على الإتيان بأقوال علماء أهل السنة في الطعن فيها ، موهمًا القارىء بأن جميع روايات تلك المسألة - و لتكن مثلًا التثويب - هي حقيقة بدليل وجود رواية تثبت عدم المشروعية مع وجود روايات مطعون فيها من قبل أهل السنة أنفسهم ، وهكذا ومن خلال ضربة ماكر استطاع الشيعي - أو هكذا تصّور - إسقاط جميع الروايات الصحيحة والمعتمدة من قبل أهل السنة والمثبتة لمشروعية التثويب والتي لم يتعرض لها الشيعي بالذكر تدليسا ، وكذبًا ، وتمويهًا، وضحكًا على ذقون السذج من العوام وما أكثرهم في هذا الزمن:

يقول ابن القيم - رحمه الله -

والناس أكثرهم فأهل ظواهر ** تبدو لهم ليسوا بأهل معان

فهم القشور وبالقشور قوامهم ** واللبُّ حظ خلاصة الإنسان

لم ينجُ من أقواله طّرًا سوى ** أهل الحديث و شيعة القران

فتبرؤوا منها براءة حيدر ** وبراءة المولود من عمران

من كل شيعي خبيث وصفه ** وصف اليهود محللي الحيتان

وعلى هذا الأسلوب درج كثيرٌ بل جمهرة علماء الشيعة ، وما عليك أيها القارئ سوى تصفح كتبهم في المسائل الخلافية وستجد هذه الحقيقة طافحة في كتبهم من غير حاجة إلى بحث أو تنقيب .

[ 2 ] - الأمر الثاني: والذي لايقل أهمية عن سابقه و إن كان دونه مكرًا وخبثًا فهو أن يعمد الشيعي إلى تصحيح الأحاديث التي صنفها أهل السنة ، وتضعيف الأحاديث المصححة من قبلهم ، وذلك أيضًا بالاعتماد على رجال الجرح والتعديل من أهل السنة من أجل تصويرهم للناس بصورة المتناقضين في التصحيح والتصنيف وبالتالي فقدان الثقة بهم ، والطريقة إلى تحقيق ذلك إنما تكون بتتبع سلسلة السند والبحث عن راو قد تكلم العلماء فيه فإذا ما تمّ العثور عليه فإن الدنيا تقوم ولا تقعد ، والأبواق الإعلامية تأخذ أيضًا دورها في ذلك ، ويصبح القوم كبيرًا أو صغيرًا ، شريفًا أو ساقطًا ، كلهم ينادي بضرورة تطبيق المعايير المستخدمة في الجرح والتعديل ، وكيف لراوٍ قد تكلم فيه بعض العلماء أن يوثق ويقبل حديثه . وأيضًا كيف يمكن لراوٍ زكاه بعض العلماء أن يضعف ويهمل حديثه ، هذا هو التناقض بعينه .

لذلك كله كان الشيعي نتيجة لعدم تضلعه بعلم الجرح والتعديل جزئيًا في تصحيح أحاديث ضعفها أهل السنة اعتمادًا منه على بعض أقوال علمائهم في بعض رجالات السند ، وجزئيًا في تضعيف أحاديث صححها أهل السنة اعتمادًا أيضًا على بعض أقوال علمائهم في بعض رجالات السند .

والذي فاته وأوقعه في هذا الجهل المكعب - جهلة بهذا العلم ، و جهله بأنه لا يجهل، وحكمه على وفق جهله - هو أن علم الجرح والتعديل بحر عميق غوره ، في أحشائه الدر كامن ولا يمكن مجال لمن يسبح على شاطئه أن يعرف كنه وحقيقة تلك الدرر فعلى من يريد المعرفة حق المعرفة أن يشمر عن ساعديه ، ويضرب لجة ذلك البحر بيديه ويعمل على الغوص فية عسى أن يستطيع العثور على بعض ما يصبو إليه وإلا فإن كثيرًا من السابحين يرجعون من الغنيمة بالإياب .

أقول للشيعي إنك قد حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء ولو أنصفت وأبعدت عن عينيك رداء التعصب الذي قد حجب الرؤية الواضحة لديك لعلمت أن أصغر طويلب علم من أهل السنة يعرف أن قلة قليلة ربما لا تتجاوز أصابع اليد العشرة هي من سلمت من الكلام فيها ، ونادرًا ما تجد عالمًا لم يتكلم فيه أهل الجرح والتعديل ، ولو أننا قمنا بتطبيق قاعدة هذا الشيعي العرجاء لما سلم لنا من الألف حديث اثنين أو ربما ثلاثة .

فاستمع ايها الشيعي لكلام من جهلت كلامهم ان العلماء قد قرروا ان الجرح لا يقبل إلا مفسرًا ، ومعنى ذلك أنه لا بد من بيان الأسباب من وراء الجرح ، لأن الجارح ربما يعد شيئًا معنيًا أمرًا جارحًا وهو ليس كذلك عند جمهرة أهل الجرح والتعديل، ولذلك طالب أهل العلم من الجارح أن يفسر ويذكر سبب جرحه ، وقد عرف طلاب العلم على مرِّ التاريخ علماء قد تشددوا في الجرح والتعديل كيحيى بن سعيد ، ويحيى بن معين ، وأبو حاتم ، و منهم من اعتدلوا كأحمد ، والبخاري ، وأبو ذرعة ، ومنهم من تساهلوا كالترمذي ، والدارقطني ، والحاكم الذي ذكر فيه العلماء مقولتهم المشهورة: لا عبرة بتصحيح الحاكم حتى يواقفه الذهبي على ذلك ، وهذا الحاكم نفسه كثيرًا ما يعتمد الشيعة على تصحيحه من غير الثقات إلى ما تقدم .

وأيضًا على الشيعي أن يعرف أن بعض علماء الجرح والتعديل قد يطلق لفظ ثقة ومع ذلك يتبين عند جمهرة العلماء ضعفه ولذلك فعلى الشيعة ومن كان على شاكلته أن يعرف تحرير عبارات التعديل والجرح ، وما بني ذلك من العبارات المتجاذبة ، فضلًا عن اصطلاحات العلماء ومقاصدهم في عباراتهم الكثيرة ، فربما قصد المزكي بقوله ثقة مجرد العدالة لا بالضبط ، وبالعدالة والضبط يكون الراوي ثقة عند العلماء، ولهذا لا تقبل التزكية إلا من عارف بأسبابها لا من غير عارف لئلا يزكي بمجرد ما يظهر له ابتداءً من غير ممارسة واختيار كما قرر ذلك ابن حجر في نزهته.

ولهذا أثر عن بعض العلماء قولهم: لا عبرة بتوثيق ابن حبان وما ذلك إلا بسبب بعض ما قلناه أنفًا.

وأخيرًا أود القول في هذه العجالة أن الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا يحتاج إلى ورع تام ، وبراءة من الهوى والميل ، وخبرة كاملة بالحديث ، وعلله ، ورجاله ، لذا فمن كان يعرف خصلة مما تقدم في واحد فقط من علماء الشيعة فليدلني عليه وله مني جزيل الشكر والعرفان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت