الصفحة 2 من 46

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن الشهادة في سبيل الله تعالى مطلب غالٍ نفيس، طالما تمناها الصالحون والأخيار من عباد الله، بل ويتمناها الشهيد نفسه بعد موته لما يرى من الكرامة، والمنزلة الرفيعة العالية، التي أعدَّها الله لمن قتل في سبيله، فاللهم إنا نسألك الشهادة في سبيلك.

لكن مما يلاحظ أن هذا المصطلح الشرعي صار مبتذلًا رخيصًا عند بعض الناس، فصاروا يطلقونه على من قتل منافحًا عن مبدأ أو فكر منحرف، كالعلمانية أو الشيوعية أو العروبة ... ونحو ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة:"من قاتل تحت راية عِميَّةٍ [1] يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقُتل فقِتْلَةٌ جاهلية"رواه مسلم [2] .

وربما ألحق بعض الناس بهذا اللفظ الشرعي أوصافًا لم ترد بها النصوص، وقد يكون في بعضها محادَّةٌ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فتراهم يقولون: شهيد الفن، وشهيد العروبة، وشهيد الحرية، وشهيد الوطن ... الخ، ولا ريب أن هذه تسميات وأوصاف باطلة، لا يجوز إطلاقها، لأن فيها تعد على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، فيجب الوقوف عند نصوص الكتاب والسنة، فلا نطلق لفظ (الشهيد) إلا على من أطلق عليه الشرع ذلك.

وثمة أمر آخر جرى على ألسنة بعض الناس في القديم والحديث، وهو: وصف من مات بسبب من أسباب الشهادة التي جاءت بها النصوص بـ (الشهيد) على وجه التعيين، كمن مات في المعركة ضد الكفار، أو مات بالطاعون، أو بالغرق ... ونحو ذلك، فيقولون: الشهيد فلان، كمن قتل في هذا الوقت بفلسطين، أو الشيشان، أو العراق ...

فهل هذا الإطلاق جائز، فيسوغ حينئذٍ الحكم على المعيَّن بالشهادة؟ هذا ما حاولت

(1) قال النووي في شرحه على مسلم (12/ 481) :"هي بضم العين وكسرها، لغتان مشهورتان، والميم مكسورة مشددة، والياء مشددة أيضًا، قالوا: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد بن حنبل والجمهور" [وينظر: المعلم للمازري (3/ 35) ] ،.

(2) في كتاب: الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين (12/ 480) ح (1848) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت