... وترجع جذور هذا التصور في الأقل لدى الأوربيين إلى أفلاطون الذي كان يهدف إلى إرساء مدينة فاضلة يحكمها الفلاسفة، ويمثل العقل معيارها في الحكم على الأشياء ويعود تصور أفلاطون لتحديد ماهية الفن ووظيفته إلى نظريته في » المثل « ومفادها انَّ » العالم الحقيقي الوحيد هو عالم الأفكار العامة، أو عالم المثل، أما عالم الأشياء فليس سوى ظلال وانعكاسات للعالم الحقيقي « (1) وتأسيسًا على هذا فإنَّ الشعر يبتعد عن الحقيقة، لأنَّ الشاعر يحاكي ما حاكاه غيره، ومن أجل توضيح ذلك، يضرب أفلاطون مثلًا بالسرير، فهناك السرير الأول، وهو المثال الذي خلقه الله، والسرير الثاني الذي صنعه النجار، وهو محاكاة للمثال، والسرير الثالث الذي رسمه الفنان، وهو محاكاة للمحاكاة، ويخلص من هذا إلى أنَّ » هذه المحاكاة بعيدة ثلاث مرات عن الحقيقة « (2) ، ويعمد أفلاطون إلى تأكيد وظيفة تربوية تحاول السمو بالإنسان نحو الرقي والسعادة، ولما كان الشعر » يغذي الانفعال بدلًا من أنْ يُضعفه، ويجعل له الغلبة مع انَّ الواجب قهره « فإنه لذلك يرى » وجوب طرد هذا الفن « (3) من جمهوريته .
(1) ـ محمود الربيعي، في نقد الشعر، ص 16 .
(2) ـ أفلاطون، جمهورية افلاطون، ص 534 .
(3) ـ نفسه، ص 546 .