... إنَّ الشعر الذي وصلنا من الجاهلية قليل وقد ضاع أكثره، ويؤكد ابن سلام أنَّ في هذا القليل مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، مما يدفع إلى ضرورة تنقيتة وعزل صحيحه عن زائفه، فهو يقول: » وفي الشعر مصنوع مفتعل كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد، ولامعنى يستخرج، ولامثل يضرب ولامديح رائع، ولاهجاء مقذع ولا فخر معجب، ولانسيب مستطرف، وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء « (1) .
... وقد اختلف العلماء في الشعر صحيحه وزائفه، ويرى ابن سلام أن ما اتفق عليه العلماء لاجدال حوله ولانقاش فيه، أو على حد تعبيره » ليس لأحد أن يخرج منه « (2) .
... ويعي ابن سلام الجمحي أنَّ هناك أسبابًا دفعت إلى نحل الشعر ووضعه، ويمثل العامل القبلي واحدًا من الأسباب التي أدت إلى تزيد القبائل في نسبة الشعر إلى شعرائها في الجاهلية والإسلام، لأن العرب حين راجعت » رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والشعراء، فقالوا على ألسنة شعرائهم « (3) .
... ويختلط بالعامل القبلي أحيانًا بعد سياسي، فقريش قد وضعت على حسان بن ثابت قصائد عديدة لم يقلها، لدرجة يصف ذلك ابن سلام بأنه » قد حمل عليه ما لم يحمل على أحد، لما تعاضهت واستتب، وضعوا عليه أشعارًا كثيرة لا تنقى « (4) .
... وإذا كان العامل القبلي ـ هنا ـ يختلط ببعد سياسي فانه يختلط أحيانًا ببعد ديني، ففي حديث ابن سلام عن أبي طالب يصفه بأنه كان » شاعرًا جيد الكلام، أبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي صلى الله عليه:
وَأَبيَضَ يُستَسقى الغَمَامُ بِوَجهِهِ
رَبيعُ اليَتَامى عِصمَةٌ للأَرامِلِ
(1) ـ نفسه، 1/4 .
(2) ـ نفسه، 1/6 .
(3) ـ ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعرا ء، 1/ 46 .
(4) ـ نفسه، 1/215 .