... إنَّ هذه الإمكانات التي تحتويها الألفاظ لا تتجلى تأثيراتها في الكلام العادي الذي يستخدمه الناس في مخاطباتهم، كما لا تتجلى آثارها وملامحها في الكلام ذي الطابع العلمي، بشكل واضح، وإنما تتجلى هذه الملامح بدرجات متفاوتة في ميدان الإبداع الأدبي بعامة والشعري بخاصة .
... ونحن لا نعلم في الحقيقة تفاصيل العمليات التي تسبق ولادة القصيدة، بوصفها تشكيلًا لغويًا، وإن كنا ندرك إجمالا أنها خليط من مكونات واعية وغير واعية وتلتقي فيها خبرة الإنسان، وثقافته، وانفعاله، وخواطره، وأحلامه، ويضعنا هذا من ثم في مجال خصوصية الأديب وفرديته، وهي خصوصية تتعامل بكيفية معينة مع الألفاظ اللغوية، وعندها لا تحدد قيمة الشاعر فيما يرى ريتشاردز كمية الألفاظ التي في متناوله
» وإنما الذي يحدد مكانته الطريقة التي يستخدم بها هذه الألفاظ على تعديل بعضها البعض وتجميع تأثيراتها المنفصلة في العقل واتخاذها موضعها المناسب في الاستجابة ككل « (1) .
... ونخلص من هذا كله إلى أنَّ طبيعة الأدب لا تحددها المكونات الخارجية، وإنما هي منحصرة في الوجود الموضوعي المادي للأدب، أي في التشكيل اللغوي للنص الأدبي، ويخضع هذا التشكيل لخصوصية الأديب وفرديته، ويتلّون في ضوء تجربته الانفعالية، ومدى تأثره بالواقع الذي يعيش فيه .
الفصل الأول
قضايا الشعر الجاهلي
الجاهلية
(1) ـ ريتشاردز، العلم والشعر، ص 46 .