فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 256

... وعلى الرغم من الخصوصية الفردية التي يتسم بها الإنسان فإنه لا يركن إلى الوحدة إذ لابدَّ من تحقيق وجوده وذاته في واقع اجتماعي معين، فهو من هذه الناحية يسعى إلى تمزيق كل محاولة تتسلل فيها الغربة أو الاغتراب ليندمج في الواقع الاجتماعي، وهذا بحد ذاته تجاوز لفردية الإنسان إلى حالة تواصل مع الآخر وتوازن معه، أي تجاوز الفردية إلى لون من الاندماج الاجتماعي .

... إن الإنسان بفعل تحركه في الواقع الاجتماعي يكتشف ذاته والعالم الذي يعيش فيه، بمعنى أنه يكتشف » الأنا « و » الآخر « ويبقى الإنسان في حالة تلقٍ مستمر من واقع يتفاعل معه ويؤثر فيه، غير أنَّ تجربة الإنسان مهما كانت متراكبة ومكثفة وغنية فإنها لا تغنيه عن تجارب الآخرين، معاصريه، وسابقيه، ولذا فإنه يحقق متعة الكشف كشف ذاته، وكشف الآخر من خلال ما يبدعه الآخرون، وهذا من شأنه أنْ يزوده بنمط من الوعي، ويدفع به إلى لون من التكامل، لأنَّ الإنسان طموح إلى أنْ يصل إلى هذه الدرجة .

... إنَّ الإنسان لا يستطيع أنْ يحقق هذا التكامل، أو أنه لا يستطيع الوصول إلى هذه » الكلية إلا إذا استولى على تجارب الآخرين التي هي بالقوة تجاربه هو « (1) وإذا تحولت هذه القوة إلى الفعل تزود الإنسان بالوعي وتحققت لديه المعرفة، متعة الكشف، لأنه يرى ذاته بمرآة الآخرين، كما أنه يرى بمرآته ذوات الآخرين، وكذا العالم الذي يعيش فيه .ويسعى الإنسان لتحقيق جزء من هذا بالأدب، بمعنى أنَّ الأدب يمثل وسيلة يسهم في تحقيق التوازن بين » الأنا « و » الآخر «، ويسهم في الكشف عن جوانب غامضة من الواقع، وإذا كان ما سلف مدعاة إلى تحقيق التواصل والكشف فإنه في الوقت ذاته مدعاة لاستمرار إبداع الأدب .

(1) ـ آرنست فيشر، ضرورة الفن، ص 9 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت