وبذلك يعلم أيضًا أن البقاء في عرفة إلى غروب الشمس هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه، ولكن القول بالنفرة قبل الغروب من يوم عرفة له حظه من الاستدلال والنظر، وقال به أئمة علم يقتدى بهم، وأن الحرج الذي يصيب الناس في النفرة من عرفة حيث لا يصلون إلى المزدلفة إلاّ في ساعات متأخرة من الليل يجعل المصير إلى هذا القول والتوسعة على الناس به له اعتباره، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أذن لضعفة أهله بالنفرة من المزدلفة خوفًا من حطمة الناس فإن المعنى موجود اليوم وعلى وجه أشد في النفرة من عرفة .
المسألة الرابعة: المبيت في منى وما ورد من الرخصة فيه.
دلت النصوص الشرعية من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره، ومذاهب فقهاء الصحابة على وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق على من قدر على ذلك ووجد مكانًا يليق بمثله، وإلى وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق ذهب جمهور أهل العلم.
كما دلت الأدلة على أن المبيت يسقط عمن لم يجد بمنى مكانًا يليق بمثله، ولا شيء عليه، وله أن يببيت حيث شاء، في مكة أو في المزدلفة أو في أي مكانٍ آخر، ولا يلزمه أن يبيت حيث انتهت خيام منى.
وليست الطرقات والأرصفة وشعف الجبال مكانًا صالحًا لمبيت الآدميين فلا يلزم أن يبيت بها من لم يجد غيرها.
ويدل لذلك ما يلي:
الدليل الأول: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: استأذن العباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية فأذن له. البخاري (1634) ، ومسلم (1315) .
والسقاية: إعداد الماء للشاربين بمكة، يذهب أهلها القائمون بها ليلًا، يستقوا الماء من زمزم ويجعلوه في الحياض مسبلًا للشاربين.