1 / المعروف أنّ التّناصّ مصطلح دالّ على أنّ نسيج أيّ نصّ جديد اختزن نصوصًا كثيرة تأثُّر صاحب هذا النّصّ تأثُّرًا غير مباشر بها، بوساطة القراءة، وكأنّ النّصّ الجديد غير بِكْر ؛ لأنّه مزيج من نصوص عدّة. وإنّني أقصد بالتّناصّ هنا علاقة النّصّ الرّوائيّ العربيّ اللاحق بالنصّ الروائي العربيّ السّابق. ولهذا التناص سلسلة تبدأ أولى حلقاتها في القرن التاسع عشر، دون أن يضمّ القرن العشرون ما يدلُّ على انقطاعها. فقد حاكى الروائيون العرب، أوّل الأمر، روايات معرَّبة وملخَّصة ذات بناء فنيّ تقليديّ. غير أن محاكاتهم لم تكن دقيقة لأسباب كثيرة، أولها أنهم لم يحاكوا الأصل، بل حاكوا الفرع المعرَّب والملخَّص، وثانيها أنهم لم يتقيَّدوا بمنطق السّرد الروائي الغربيّ ؛ لأنهم لم يكونوا بمنجاة من السرد العربيّ الحكائيّ الذي نشؤوا في أحضانه ورُبِّيتْ أذواقهم الأدبيّة عليه. وهذا يعني أن البناء الفني للرواية التقليدية لم يدخل الأدب العربيّ كما قدَّمته الرواية الأجنبيّة، بل دخل هذا الأدب وقد حمل بعضًا من التعديلات (1) ، أو قُلْ إن البناء الفنّيّ دخل الأدب العربي وهو يحمل بعض البصمات العربيّة (2) ، ورسخ فيه على هذا النحو، بحيث أصبح اللاحق من الروائيين ينسج على منوال سابقه وهو يشعر بأنه يواجه جنسًا أدبيًّا لا تُقيّده القواعد الصّارمة.