فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 27

رسالة في تعبير الرؤيا

للإمام ابن القيم رحمه الله [1]

قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعها ويقظة ومنامًا، ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير، بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس، ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين؟ فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين كما أول النبي - صلى الله عليه وسلم - القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس، فالقميص يستر بدنه والعلم والدين يستر روحه وقلبه ويجمله بين الناس.

ومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن فهو مفطور على إيثاره على ما سواه، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس.

ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن البقر كذلك، مع عدم شرها وكثرة خيرها وحاجة الأرض وأهلها إليها، ولهذا لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقرًا تنحر كان ذلك

(1) (( ) من كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/ 190 - 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت