وَأَعَادَ اللهُ تَعَالَى وَصْفَهُمْ بِكَثْرَةِ السَّمَاعِ لِلْكَذِبِ ، فَقَالَ: وَهُمْ سَمَّاعُونَ لِلْبَاكِلِ ، آكَّالُونَ لِلْمَالِ الحَرَامِ كَالرِّبَا وَالرَّشْوَةِ ( السُّحْتِ ) ، فَإِذَا جَاؤُوكَ يَتَحَاكَمُونَ إلَيْكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ، فَلاَ عَلَيكَ أنْ لاَ تَحْكُمَ بَيْنَهُم لأنَّهُمْ لاَ يَقْصِدُونَ ، بِمَجِيئِهِمْ إليكَ لِلتَّحَاكُمِ ، اتِّبَاعَ الحَقِّ ، بَلْ يُرِيدُونَ أنْ تَحْكُمَ لَهُمْ بِمَا يُوافِقُ أَهْوَاءَهُمْ .
( وَهَذا الحُكْمُ خَاصٌّ بِالمُعَاهِدِينَ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَبِالنِّسْبَةِ لِلمُعَاهِدِينَ لاَ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَهُم( كَالأَجَانِبِ المُوجُودِينَ فِي بِلاَدِ المُسْلِمِينَ ) ، وَإنْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ ، بَلِ المُسْلِمُونَ مُخَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ حَسْبَمَا يَرَوْنَ فِيهِ المَصْلَحَةَ .
وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ الحُكْمُ بَيْنَهُمْ إذَا تَحَاكَمُوا إلَى المُسْلِمِينَ ، لأنَّ مَنْ أُخِذَتْ مِنُهُ الجِزْيَةُ تَجْرِي عَلَيهِ أَحْكَامُ الإِسْلاَمِ ، فِي البُيُوعِ وَالمَوَارِيثِ ، وَالعُقُودِ ، عَدَا بَيْعِ الخَمْرِ وَالخِنزِيرِ ) . ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍِ هَذا الحُكْمُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله }
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِّيهِ - صلى الله عليه وسلم -: وَإِذَا أرَدْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، فَاحْكُمْ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ الذِينَ يَقْضُونَ بِالعَدْلِ ( المُقْسِطِينَ ) .