فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 38

المبحث الخامس

قضاء المريض للصوم وأحواله

لا خلاف بين أهل العلم في أن من أفطر في رمضان لعذر، أن عليه القضاء؛ لأن الصوم كان ثابتًا في ذمته، فلا تبرأ منه إلا بأدائه، وهو لم يؤده بعد [1] .

والمريض مرضًا يباح له الفطر، كما قدمنا تفصيله، له في مقام القضاء حالان:

1 -أن يكون مريضًا لا يُرجى برؤه:

وهو من به مرض، يحكم الأطباء بصعوبة شفائه، أو استحالة ذلك، وغالبًا ما يكون هذا في الأمراض المستعصية، أو مرضٍ في مراحلِهِ المتأخرة، ومن ذلك بعض حالات مرض السكري.

ويكون الصوم -مع مرضه- لا يستطيعه إلا بضررٍ ومشقة، وذلك في جميع فصول السنة، فلا يقوى عليه لا أداءً ولا قضاءً؛ فهذا حكمه أن يُفطر، ويطعم عن كل يومٍ مسكينًا، وهذا قول جمهور الصحابة والعلماء [2] .

فإن شاء الله وشُفي، وقَدِر على الصيام، فهل نُلزِمه بذلك؟.

ذكر ابن قدامة فيه احتمالين [3] :

الأول: أنه لا يلزمه؛ لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب عليه، فقد أتى بما أمره الله به على الوجه المشروع، فلا يُكلّف فوق ذلك.

الثاني: أنه يلزمه القضاء؛ لأن الإطعام بدل عن الصيام، ولا يجزئ الاكتفاء بالبدل مع وجود المبدل منه.

والأول أقوى؛ لقوة مأخذه ومنزعه.

وفي ذلك جملة من النظائر، ينسحب عليها حكم واحد، حريٌ بالفقيه أن يتأملها كثيرًا، قبل إصدار حكم فيها؛ لئلا تضطرب أقواله وفتاويه.

2 -أو يكون مريضًا يُرجى برؤه:

وهذا تحته أحوال:

-كالمريض الذي فاجأه المرض في رمضان، فيستطيع الصوم قضاءً حال شفائه منه.

-ومنه المريض مرضًا مزمنًا، لكنه يستطيع الصوم في بعض فصول السنة دون بعضها الآخر، فهذا يفطر ويقضي في الأوقات التي لا تشق عليه.

(1) المغني (4/ 365) .

(2) البحر الرائق (4/ 116) ، المجموع (6/ 255) ، المغني (4/ 396) .

(3) ينظر: المغني (4/ 396 - 397) ؛ وينظر منه أيضًا (5/ 21) في العاجز عن الحج ثم عُفي بعد أن استناب من يحج عنه، هل يجب عليه حج آخر أم لا. ويراجع قواعد ابن رجب (1/ 39 - 42) ط. مشهور، فقد ذكر قاعدة تعين المجتهد في تصور المسألة ونظائرها، فقد قال في القاعدة السابعة: (من تلبس بعبادة، ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجدًا له قبل الشروع لكان هو الواجب دون ما تلبس به؛ هل يلزمه الانتقال إليه أم يمضي ويجزئه) . ثم قال:(هذا على ضربين:

1 -... أن يكون المتلبس به رخصة عامة شرعت تيسيرًا على المكلف وتسهيلا عليه مع إمكان إتيانه بالأصل على ضرب من المشقة والتكلف.

2 -... أن يكون المتلبس به إنما شرع ضرورة للعجز عن الأصل وتعذره بالكلية)

ثم قال: (وها هنا مسائل كثيرة مترددة بين الضربين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت