(أما بعد: فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس في إتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الثلمة إما متكفلًا بعملها أو متقلدًا لتنفيذها مجددًا لهذه السنة الدائرة ناهضًا بأعبائها ومتشمرًا في إحيائها كان مستأثرًا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها..) (1)
هذا كلام العلامة أبي حامد الغزالي وهو يندب أهل زمانه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكيف لو رأى زماننا هذا نسأل الله عزوجل الهداية والسداد
وقد اخترت هذا الموضوع لأمور:
الأول: لأهميته العظيمة وعناية الشرع المطهر به وكثرة الآيات والأحاديث والآثار التي تحث عليه وانعكس هذا على مصنفات أهل العلم فكثرة التصنيف في هذا الباب العظيم سواء مفردًا أو مع غيره.
الثاني: رغم اهتمام الشرع به وحثه عليه فقد انصرف عنه جل الناس لعظم مؤونته -حتى كثير من الصالحين وقعوا في هذا التقصير وظنوا أن الانشغال بالعبادة يرفع عنهم التبعة ويجعلهم من المقربين الأبرار وغفلوا عن أن هذا من أسباب نزول العذاب عليهم وأنهم إن تركوا هذا الأمر جميعًا فهم آثمون وفي ضلالة كما قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى:
(1) الإحياء لأبي حامد الغزالي (2/142) .