هذه الصورة الكلية التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم ، ببيانه الحكيم تجمع بين واقعين متشابهين متماثلين: واقع ممتد عبر الحياة زمانًا ومكانا ، هو واقع القائمين على حدود الله ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وواقع الواقعين فيها ، التاركين للمعروف ، المرتكبين للمنكر ، وواقع المداهنين المصانعين في الحق ، الساكتين على الشر ، يقابل ذلك الواقع واقع قريب إلى الأذهان والأبصار لا يكاد يغفل عنه ، أو يجهله أحد من الناس ، هو صورة المشبه به: صورة تجعل المتلقي كأنه يرى الأحداث تجري أمام عينيه: يرى سفينة في بحر لجيّ ، يقبل قوم على الإبحار فيها ، ويرى تقاسم القوم ، واستهامهم مواقع فيها ، فإذا قوم في أعلاها ، وقوم في أسفلها . هكذا تبدأ الأحداث ، دون أن يكون فيها ما يخرجها عن سنن العدالة ، وكذلك تبدو الحياة على الأرض ، ثم تأتي ضرورات الحياة وحاجاتها ، وأثرها في مجرياتها ، وعلائق الناس بعضهم ببعض وفقا لمناهجهم في التعامل مع تلك الضرورات والحاجات ومن تكون عندهم ، فالأعلون ممتعون بالاستقاء دونما حاجة إلى مرور على غيرهم ، فتتحقق ضروراتهم وحاجاتهم دونما اصطدام بالآخرين وكذلك طائفة من الناس في هذه الحياة . )) (1) ا.هـ
وهذا الحديث عظيم جليل القدر، استنبط العلماء منه فوائد عظيمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ابن النحاس رحمه الله تعالى:
(( واعلم أن في تمثيل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا جملة من الفوائد:
1-منها: أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة، كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا، وكما أن سكوت شركاء السفينة عن الشريك الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا، كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة، بل في الدنيا، كما في الأحاديث الآتية إن شاء الله تعالى.
(1) فقه تغيير المنكر محمود توفيق سعد.