الصفحة 2 من 27

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغرر الميامين، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم إلى يوم الدِّين. أما بعد:

فإنَّ مِما لا شك فيه بأن رسالة الإسلام رسالة شاملة لكل جوانب الدِّين والدنيا، فشملت الحياةَ الإنسانية كلِّها، ومن الأمور التي شملتها اهتمامها بالبيئة، فقد أرست الأُسس والقواعد والمبادئ العامة التي تضبط علاقة الإنسان ببيئته، من خلال العلاقة السوية والمتوازنة التي تصون البيئة من ناحية، وتساعدها على أداء دورها الذي أراده الله تعالى من ناحية أخرى.

ومما يجدر ذكره أنَّ قضية البيئة وما تعانيه من تدهور واستنْزاف، وسوء استخدام أصبحت من القضايا الملحّة في وقتنا الحاضر، هذا مع غياب الوعي والحسِّ البيئي الإسلامي الذي يجب أن يحكم سلوكيّاتنا وتصرّفاتنا تجاه بيئتنا.

لقد وصلنا ـ حقا- إلى مرحلة أصبحنا فيها أحوج ما نكون إلى العودة الصادقة والمخلصة والواعية والملتزمة بتعاليم الإسلام، وتوجيهاته السديدة لنرسِّخ الوعي البيئي الإسلامي كي ننقذ البشرية مما تعانيه من مشكلات بيئية ناتجة من استغلال مدمِّر ومستنزف لمواردها، وصدق الله تعالى - وهو أصدق القائلين- حينما قال: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [1] .

والفساد بمعناه الشامل ضد التعمير والصلاح، وهو: كُلُّ سلوك بشري يُفسد نعم الله تعالى، ويُحيلها من مصدر منفعة وحياة إلى مصدر ضرر وخطر على الحياة، وهو يشمل الإفساد المادي بتخريب العامر، وإماتة الأحياء، وتلويث الطاهرات، وتبديد الطاقات، واستنزاف الموارد في غير حاجة أو مصلحة، وتعطيل المنافع وأدواتها، ويشمل أيضًا الإفساد المعنوي كمعصية الله تعالى، ومخالفة أمره، والكفر بنعمته، والتمرّد على شريعته، والاعتداء على حرماته، وإشاعة الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وترويج الرذائل، ومحاربة الفضائل.

ومن هنا تبرز أهمية معالجة هذا الموضوع كبداية متواضعة نحاول من خلالها إيجاد الوعي البيئي الإسلامي، وإبراز التوجيهات والتعاليم الإسلامية الرشيدة من سوء استغلال البيئة، والإخلال بتوازنها، مما يهدد البشرية، ويعرقل مسيرة حركة الحياة على غير ما أمر الله سبحانه وتعالى.

إنني آمل أن تكون هذه الدِّراسة المتواضعة مُعينة على ترسيخ السلوك البيئي على هدي من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام لإيجاد أجيال تتعامل مع بيئتها بأسلوب راشد وعاقل، وبذلك نحقق هدفًا أساسيًا من أهداف خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، وهو تعميرها وصيانتها وتنميتها، يقول الحق تبارك وتعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [2] .

(1) سورة الروم، الآية:41.

(2) سورة هود، الآية: 61. قال العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير 7/ 163: (والاستعمار: الإعمار، أي جعلكم عامرينها، فالسّين والتاء للمبالغة كالتي في استبقَى واستفاق. ومعنى الإعمار أنهم جَعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأنّ ذلك يعدّ تعميرًا للأرض حتى سمي الحرث عِمارة، لأنّ المقصود منه عَمر الأرض) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت