استعمال عبارة «في سبيل الله» في القرآن الكريم يجد بوضوح أنها لايراد بها إلا خدمة البشرية لاتكريس الذات الالهية فهو تعالى غني عن ذلك؛ فالقتال والانفاق والهجرة والضرب في الأرض، والدعوة وتحمل الأذى في سبيل الله كلها تصب في صالح الجماعة واحقاق حقوقها، وهذا ما يفسر الرأي القائل بأن مصرف سبيل الله من مصارف الزكاة يعني مطلق وجوه البر أي مطلق وجوه خدمة الآخرين.
ومن هنا رأينا الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان يعلن أنه «لكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية» وقد شاء الذين كتبوه أن يؤكدوا حقيقتين هما:
أولًا: إن الحرية في نفسها لا تشكل هدفًا مطلقًا بل هي وسيلة للوصول إلى الحياة الأمثل وقيمتها بكونها تستهدف الخير والصلاح.
وثانيًا: إن الحرية عندما تعطى لفرد أو جماعة تستطيع بدقة أن تميز بين الأوهام والواقعيات فهي منطقية وبدون ذلك فقد تتحول إلى عامل تخريب وعدوان على الآخرين [1] .
وقد رأينا في مختلف المراحل من استغلوا في الغرب هذه الحرية للاعتداء على مقدسات الأمة الإسلامية في حين أنهم قيدوا حرية إبداء الرأي في بعض الوقائع التاريخية كمسألة (المحرقة اليهودية) .
وهكذا ننتهي إلى هاتين الحقيقتين وهما:
الأولى: إن الأديان تؤمن بالفطرة الإنسانية، وإن الفطرة تقرر كون العدالة مطلوبًا مطلقًا وكون الحرية و السلام مطلوبين إذا شكلا مصداقًا من مصاديق العدالة وتجليًا لها ومن هنا كان التأكيد الدائم على (الحرية المعقولة) و (السلام العادل) تأكيدًا إنسانيًا صحيحًا.
الثانية: إن الوجدان هو الحكم الفصل في مجال تقرير الحق الإنساني كما إنه هو الحكم أيضًا في مجال تحديد هذا الحق بحدود تضمن له إنسانيته وتبقيه في حدود (العدالة) فإذا تجاوزها عاد ظلمًا وفقد (حقيته) ومن هنا ننطلق إلى القول بأن (الحرية) وإن كانت تمتلك جذورًا وجدانية إلا أنها تبقى محدودة بحدود قد يدركها الوجدان كما في تحديدها بعدم الاعتداء على الآخرين وكراماتهم، وقد يوحي بها الله العالم بما يصلح الإنسان، والمانح للإنسان كل حقوقه. ومن الطبيعي فإن الله تعالى منع الإنسان من الاعتداء على كرامة الآخرين وهذا أمر واضح مقرر في الشريعة الإسلامية وهو يمتد مع الإنسان في حياته وبعد مماته وبذلك اعتبرت حرمة الجنازة من الحقوق الإنسانية في الإعلان الإسلامي. وهذا ما نجده بشكل أقل وضوحا في الإعلان الدولي حيث تقرر المادة التاسعة والعشرون البند (ب) أن الحريات المذكورة فيه مقيدة بالاعتراف بحريات الآخرين ورعاية المقتضيات الأخلاقية الصحيحة، ولاريب أن من أهم المقتضيات الأخلاقية كرامة الإنسان الفرد وبالأحرى المجتمع. وقد قلنا إن الوجدان هو معيار الحق وحدوده (في المنطق الإنساني العام) ويأتي الدين ليعطي الإنسان معيارًا أوسع وأدق ويتم تطبيقه طبعًا في الوسط المؤمن به.
ومن أهم ما يقوم كرامة الإنسان المقدسات والمطلقات التي يؤمن بها، ونحن نجد القرآن الكريم يصف الله تعالى بالملك القدوس، ويسمي الوادي الذي كلف به موسى بحمل الرسالة الكبرى بـ (الوادي المقدس) والملك الذي يحمل الوحي بـ (روح القدس) وأرض فلسطين بـ (الأرض المقدسة) لأنها أرض أنبياء الله. فأية إهانة لها تعنى تعديًا على الكرامة الإنسانية. ويزداد الأمر وضوحًا عند ما ندرك أن عنصر الإيمان في الأديان السماوية وخصوصًا في الإسلام يشكل أحد مقومات الشخصية بل تؤكد الآية القرآنية الشريفة (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم) [2] أن الإيمان يبقى ناقصًا مالم يصبغ العواطف والمشاعر ويترك القلوب مطمئنة خاشعة، وأن بعض الأمم عندما تبتعد عن منبع إيمانها تصاب بقسوة القلوب.
وخصوصًا اذا كان الأمر يرتبط بشخص الرسول الكريم الذي يعشقه المؤمنون.
وتلك حقيقة قد لا يدرك أبعادها الملحدون.
إن حب الله ورسوله مقدم لدى المسلمين على كل حب يقول تعالى (قل ان كان اباؤكم وابناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) [3] .
ويقول (ص) : لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهلي أحب إليه من أهله وعترتي أحب إليه من عترته وذاتي أحب اليه من ذاته) [4] .
وقد تواترت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في الحث على حب أهل البيت فأكدت على أن حب الرسول وأصحابه وأهل بيته هو أساس الإسلام.
وقد جاء في كنز العمال قوله (ص) : (لكل شيء أساس وأساس الإسلام حب أصحاب رسول الله وحب أهل بيته) . [5]
كما قال الامام الباقر (ع) : حبنا أهل البيت نظام الدين. [6]
وقال الصادق (ع) : من عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله تعالى. [7]
وهكذا أكدت الروايات أن حبهم هدية إلهية [8] وأنه أفضل العبادة وأنه من الباقيات الصالحات.
وهذا الكلام بعينه يأتي في المجتمع المسلم، فإن المقدسات توجه عواطفه ومشاعره وكل حبه وكرامته وعليها يبني شعاراته ووحدته فهي توجه سلوكه وحركته الحضارية وخصوصا إذا كانت محورية كقدسية القرآن والرسول (ص) .
وإذا كان الأمر كذلك فإن من الطبيعي أن تغضب جماهير الأمة إذا أهين مقدس من مقدساتها ومن الطبيعي أن تشكل أية إهانة من هذا القبيل داعيًا لوحدة الأمة وانسجامها بوجه المعتدين.
وبالمناسبة فإني أدعو المسلمين جميعًا لنصرة رسولهم الكريم والدفاع عن مقدساتهم وبذل الغالي والرخيص في سبيل ذلك. أما الاعداء والحاقدون من الصليبيين والصهاينة فلن ينالهم إلا الخزي والعار والدمار، ولن يجدوا منا إلا صلابة في الحق ووحدة وتماسكًا واعتصامًا بحبل الله المتين. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين) .
(1) الحقوق العالمية للانسان، العلامة الجعفري ص 453.
(2) الحديد: 16.
(3) التوبة: 24.
(4) رواه ابو داوود.
(5) ج 12 ص 105.
(6) أمالي الطوسي 296/ 582.
(7) الكافي ج 8 ص 129.
(8) راجع كتاب (أهل البيت(ع) في الكتاب والسنة.