وَاوُ المَعِيَّة: جَعْلُ ما بَعْدَ وَاوِ المَعَيَّةَ جَوابًا لِمَا قَبْلَه، لَيْسَ لهُ في الكلام إلا مَعْنىً واحِدٌ، وهو الجمعُ بينَ الشيئين، وهو مَعْنى المَعِيَّةِ، فإذا قُلنا:"لا تَأْكلِ السَّمَكَ وتَشرَبَ اللبَنَ"فالمراد: لا يَكُن منك جَمعٌ بَين السَمَكِ واللَّبنَ. فإن أدْخَلنا السَّمكَ واللَّبن في النَّهي قُلنا"لا تَأكُلِ السمكَ وتَشربِ اللبَنَ"فقَد نَهاهُ عن كليهما، وهذا على العطف، لأنك أدْخَلَتَ مَا بَعْدَ واوِ العَطفِ فيما دَخَل فيه المَعطُوف عليها. ولا تَكونُ وَاوُ المَعِيَّةِ في الخبر مُطلقًا، بل لا بُدَّ أن يَتَقَدَّمها نَفيٌ أو طَلَبٌ كالفاء السببية وقد تقدم، (= فاء السببية) . وعلى هذا تقولُ مثلًا:"لا يَسَعُني شيءٌ ويعجُزَ عنك"فليسَ هنا يُخبِر أنَّ الأشياءَ كلَّها لا تَسَعُهُ، وأن الأشياءَ كلَّها لا تَعجز عنه، فيكون الرفعُ والعطفُ، وإنَّما المرادُ: لا يَسَعُني شيء إلاَّ لَم يَعْجُز عنك، ولو قُلنا"لا يَسعُني شَيءٌ فَيَعْجُزَ عَنْك"كان جِيِّدًا. قال سيبويه: ومِن النَّصب في هذا الباب قوله تعالى: {أم حَسِبتُم أن تَدخُلوا الجَنَّةَ ولمَّا يَعلم اللَّهُ الذين جاهَدُوا مِنْكم ويَعْلم الصَّابرين} والشاهد: ويَعْلمَ وهناك قِراءَة شَاذَّة بالجزم عطفٌ على"ولمَّا يَعْلمَ".
ومِثال الأمر قولُ الأعشى:
فقلتُ ادْعِي وأَدعُوَ إنَّ أنْدَى ... لصوتٍ أنْ يُنادِيَ دَاعِيانِ
أي اجمعي بين دعائي ودعائك.
والنَّهي نحو قولِ أبي الأسود:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتيَ مِثلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ
أي لا تَجتَمع أن تَنْهى وتتأتي مِثلَه وهكذا. والنَّفي نحو"لم يَأمُر بالصِّدقِ ويكذبَ"، والتَّمَني نحو"لَيْتَ خَالِدًا يقُولُ ويَعْملَ فيما يَقول"، والاستِفهام نحو قولِ الشاعر:
أَتَبيتُ رَيَّانَ الجُفُونِ مِنَ الكَرَى ... وأَبيتُ مِنكَ بلَيْلَةِ المَلْسُوعِ
والحَقَّ أن هذه الواوَ واوُ العطف.