كان ذلك، كان له الدور الهام"إن لم نقل الأهم"في وسائط تعبير الإنسان عن علاقته مع الأشياء المحيطة وفي ترتيب نمطية ما من التعامل مع الجماعة المحيطة. وهذا يعني بالضرورة أن تطور الانسان الثقافي برموزه المعرفية والدينية والفنية لايرتبط بما يعنيه مستوى التطور التقني بالسوية التقانية لتطور الجماعة البشرية. أي أن التوازي في التطور التقني والثقافي هو رؤية ميكانيكية بعيدة عن الخطوط البيانية التاريخية لسيرورة الانسان. لايمكننا أن ننفي أن السوية الراقية"بمعانيها المعرفية"من التطور الثقافي تشكل الأرضية المتينة الهامة باتجاه التطور التقني، وهي ما تدفع باتجاه تجاوز مفاهيم الزمن الاجتماعي وترتيبه الميقاتي، بخلق معادل جديد يتناسب مع التراكم الكمي والكيفي في سيرورة الأمة، وهذا ما نحاول اثباته بما يخص الأمة العربية، التي تمتلك خزانًا ثقافيًا مميزًا، تستطيع الاستناد عليه لتحقيق قفزتها الحضارية التقنية في زمن اجتماعي خاص، تستطيع من خلاله تجاوز الفاصل الكبير من الزمن الميقاتي الذي يفصلها في الزمن الراهن عن المجتمعات المتقدمة تقنيًا، إن ذلك يعني، بدايةً، أن التطور الثقافي لايمكن أن يعاني من عملية قطع تاريخية، فهو عملية متواصلة سيرورية في تأصيلها وسبقها وصيرورتها اللاحقة وهو ما نقصده بعملية التأصيل في بدايات تكون المنظومات المعرفية فالحضارات الجليلة التي بناها العرب بما في ذلك البابلية والفينيقية والتدمرية والمصرية.. وحتى الاسلامية لم تكن مقاطع معزولة في تاريخ أناسي متقطع، إنها تواصل أناسي معرفي، مؤسَّس ثقافيًا على ثوابت تأصيل عظيمة لاتمتد جذورها المعرفية لمراحل التاريخ الكتابي فقط، بل تمتد كما أكدنا أعلاه إلى مراحل الباليوليث الأدنى حيث تواجد في منطقتنا الانسان الحديث سباقًا بذلك تواجده في المناطق الأخرى من العالم بعشرات الآلاف من السنين.