الثاني: الجدل في البيئة اليونانية , ونخصها بإطار مستقل في هذه النظرة التحليلية لتاريخ الجدل لأن وضع قواعد الجدل والمنطق كما تتناقله المراجع بدأ في هذه البيئة , ولا يعنى هذا عدم وجوده من قبل فهو جبلة غالبة في الإنسان كما أسلفنا , لكن الذي حدث في البيئة اليونانية هو أن الجدل صار علمًا يدرس وفنًا يكتسب بالصنعة حيث قام سوقه واشتد عوده لمواجهة الحركة السوفسطائية التي تلبس على الناس عقائدهم , بل وتشككهم في الحقائق والبدهيات مما دعا القوم إلى وضع قواعد في الجدل بقصد قطع أولئك السوفسطائيين وإفحامهم ومغالبتهم (1) , وهؤلاء عندهم حق وباطل ومن أبرع من غربل نتاجهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدد من مؤلفاته . (2)
ولما ورثت الحضارة الإسلامية خلافة العالم في عصورها الذهبية نقلت كثيرًا من العلوم والمعارف , ولم تكن الحضارة الإسلامية تقوم بدور الوسيط والناقل فقط بل غربلت في أحايين كثيرة علوم الأمم السابقة ومن ذلك علم الجدل الذي يقابله عند المسلمين علم المناظرة , أو علم البحث والمناظرة , سواء في المصنفات المستقلة أم في الكتابات المتفرقة .
ويميل بعض الباحثين إلى أن علم المناظرة صناعة إسلامية لم يسبقهم إليه أمة من الأمم قبل ذلك . (3)
ومع هذا بقيت آثار من الفكر اليوناني لم يسلم بعض المسلمين منها حتى في فهم كلام الله عز وجل وتفسيره , ومنه فهم بعضهم لما في قوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (4) .
(1) مناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر الألمعي 35, والملل والنحل للشهرستاني 2 / 119.
(2) انظر مجموع الفتاوى 12 / 349 ودرء تعارض العقل والنقل 7 / 334 , وغيرها من كتبه .
(3) انظر ما قاله الأستاذ علي مصطفى الغرابي في مقدمته للرسالة الرشيدية ص 4 - 5 .
(4) سورة النحل الآية 125.