والمراد بالرأي هنا: الاجتهاد [1] ، وليس قصدهم مطلق الاجتهاد الخالي من الشروط والضوابط، بل مرادهم (( اجتهاد ) )مبنيّ في الأساس على أمور كثيرة أهمها أربعة:
الأوَّل: النقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع التحرز عن الضعيف والموضوع.
الثاني: الأخذ بقول الصحابي - رضي الله عنه - .
وقد سبق الحديث عن هذين الأمرين قبل قليل.
الثالث: الأخذ بمطلق اللغة؛ لأنّ القرآن الكريم نزل { بِلِسَانٍ عرَبِيّ ٍ مُبِينٍ } [الشعراء:59] ، وهذا مروي جوازه عن الإمامين الجليلين مالك وأحمد رحمهما الله، قال مالك: لا أوتى برجل غير عالم بلغات العرب يُفسّر كلامَ الله إلاَّ جعلته نَكالًا [2] .
وقد علّل العلماء إحدى الروايتين عن الإمام أحمد والتي فيها الكراهية باستشهاد الشعر للقرآن فقالوا: الكراهة تحمل على صرف الآية عن ظاهرها إلى معانٍ خارجةٍ محتملةٍ يدلّ عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبًا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها.
الرابع: التفسير بالمقتضى من معنى الشعر، والمقتضَب من قوة الشرع [3] ، وهو الذي دعا به النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس رضي الله عنهما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم علّمه التأويل، وفقّهه في الدين) [4] .
ومن ههنا اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في معنى الآية، فأخذ كلّ واحد برأيه مقتضى نظره في المقتضى.
قال الزركشي رحمه الله: لا يجوز تفسير القرآن بمجرّد الرأي والاجتهاد من غير أصل [5] لقوله تعالى: { ولا تَقْفُ ما ليسَ لكَ بِه عِلْمٌ } [الإسراء:36] .
(1) - مناهل العرفان: 1/517.
(2) - انظر: البرهان: 2/161.
(3) - انظر: البرهان: 2/158-161، الإتقان: 4/181-182.
(4) - المستدرك على الصحيحين: 3/534، وقال فيه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(5) - البرهان: 2/161.