والذين يفسدون أشنع الفساد،ويقولون:إنهم مصلحون،كثيرون جدا في كل زمان.يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم.ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم.
والذين لا يخلصون سريرتهم للّه يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم،لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية،ولا يثوب إلى قاعدة ربانية ..
ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ،وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» ..
ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس،ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ،قالُوا:أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ؟ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ،وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ» ..
وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء.إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة،وأسلموا وجوههم للّه،وفتحوا صدورهم لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين ..هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم ..
وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويرونه خاصا بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام! ومن ثم قالوا قولتهم هذه: «أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ؟» ..ومن ثم جاءهم الرد الحاسم،والتقرير الجازم: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ،وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ» ..
ومتى علم السفيه أنه سفيه؟ ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم؟!
ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين ..إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع،والسفه والادعاء،إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام: «وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا:آمَنَّا،وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا:إِنَّا مَعَكُمْ،إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» ..