رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) سورة التوبة
يُوَبِّخُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ،مُعْتَذِرِينَ بِأَنَّهُمْ ذَوُو أَعْذَارٍ،وَلَمْ يَكُونُوا فِي الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ،فَقَالَ:لَوْ كَانَ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِغَنِيمَةٍ قَرِيبَةٍ ( عَرَضًا قَرِيبًا ) ،أَوْ سَفَرٍ قَرِيبٍ لاَ مَشَقَّةَ فِيهِ ( سَفَرًا قَاصِدًا ) لاَتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ،وَلَكِنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالمَدِينَةِ ( الشُّقَّةُ ) قَدْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ.وَيُخْبِرُ اللهُ نَبيَّهُ أَنَّهُمْ سَيَحْلِفُونَ لَهُ بِاللهِ،بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الغَزْوَةِ،أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْذَارُ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ لَخَرَجُوا،وَسَيُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالأَيْمَانِ وَالأَعْذَارِ لِيُرْضُوهُ،إِذْ أَنَّهُمْ بِهَذا النِّفَاقِ وَالكَذِبِ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ،وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِي حَلْفِهِمْ،وَفِي قَوْلِهِمْ: ( لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ) وَلَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْهُمْ .لَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْكَ،يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ،فِيمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُكَ مِنَ الإِذْنِ لَهُمْ بِالْقُعُودِ حِينَ اسْتَأَذَنُوكَ،فَهَلاَّ تَرَيَّثْتَ فِي الإِذْنِ لَهُمْ،وَتَوَقَّفْتَ عَنْهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ أَمْرُهُمْ،وَيَنْجَلِيَ وَضْعُهُمْ،فَتَعْرِفَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ وَالكَاذِبِينَ فِي اعْتِذَارِهِمْ،فَتُعَامِلَ كُلاًّ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ بِهِ؟
لاَ يَسْتَأْذِنُكَ،فِي القُعُودِ عَنِ الجِهَادِ،أَحَدٌ يٌؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ،لأنَّهُمْ يَرَوْنَ الجِهَادَ قُرْبَةً إِلَى اللهِ،وَإِذَا نَدَبَهُمُ النَّبِيُّ إِلَيْهِ بَادَرُوا مُمْتَثِلِينَ،وَاللهُ يَعْلَمُ مَنْ هُمُ الْمُتَّقُونَ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ،وَيَطْلُبُونَ مَرْضَاتِهِ،وَيُعِدُّونَ لِلْجِهَادِ عُدَّتَهُ .
وَلَكِنَّ الذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،فِي القُعُودِ عَنِ الجِهَادِ،وَلاَ عُذْرَ لَهُمْ،هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ،وَلاَ يَرْجُونَ ثَوَابَ اللهَ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَإِنْفَاقِهِم الْمَالَ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ الإِسْلاَمُ،وَقَدْ شَكَّتْ قُلُوبُهُمْ فِي صِحَّةِ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ،فَهُمْ يَتَحَيَّرُونَ،وَيَتَرَدَّدُونَ مُتَشَكِّكِينَ .
وَلَوُ أَنَّهُمٍ أَرَادُوا الخُرُوجَ مَعَكَ إِلَى الجِهَادِ،وَصَحَّتْ نِيَّتُهُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَكَ،لَكَانُوا تَأَهَّبُوا لَهُ،وَأَعَدُّوا الحَرْبَ وَالسَّفَر،وَلَكِنَّ اللهَ كَرِهَ خُرُوجَهُم مَعَكَ،فَثَبَّطَهُمْ،وَثَنَى عَزَائِمَهُمْ عَنْ ذَلِكَ،وَقِيلَ لَهُمْ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ وَالمَرْضَى وَالْعَجَزَةِ وَالشُّيُوخِ