والمنافقين! ويستمر السياق في رسم الصور الزرية المنفرة: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ.لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ.وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» ..
وموقف الذبذبة،والأرجحة،والاهتزاز،وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين:الصف المؤمن أو الصف الكافر ..موقف لا يثير إلا الاحتقار والاشمئزاز كذلك في نفوس المؤمنين.كما أنه يوحي بضعف المنافقين الذاتي.هذا الضعف الذي يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم هنا أو هناك ..ولا على المصارحة برأي وعقيدة وموقف ..مع هؤلاء أو هؤلاء ..
ويعقب على هذه الصور الزرية،وهذه المواقف المهزوزة،بأنهم قد حقت عليهم كلمة اللّه واستحقوا ألا يعينهم في الهداية ومن ثم فلن يستطيع أحد أن يهديهم سبيلا.ولا أن يجد لهم طريقا مستقيما: «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» ..
وإلى هنا يكون السياق قد بلغ من إثارة الاشمئزاز والاحتقار والاستضعاف للمنافقين في نفوس المؤمنين مبلغا عظيما ..فيلتفت بالخطاب للمؤمنين محذرا إياهم أن يسلكوا طريق هؤلاء المنافقين ..وطريق المنافقين - كما سبق - هو اتخاذهم الكفار أولياء من دون المؤمنين.ويحذرهم بطش اللّه ونقمته،كما يصور لهم مصير المنافقين في الآخرة.وهو مصير مفزع رعيب،مهين كذلك ذليل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا؟ إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا.إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا،وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ،وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ.فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا» ..
إنها العودة إلى نداء الذين آمنوا،بالصفة التي تفرقهم وتميزهم ممن حولهم.والتي بها يتميز منهجهم وسلوكهم وواقعهم.والتي بها يستجيبون للنداء كذلك ويطيعون التوجيهات.
نداء لهم بهذه الصفة أن يحذروا سلوك طريق المنافقين،ويحذروا أن يتولوا الكفار من دون المؤمنين ..
وهو نداء لا بد كانت هناك حاجة إليه في المجتمع المسلم يومذاك.حيث كانت الصلات ما تزال قائمة في المجتمع بين بعض المسلمين واليهود في المدينة وبين بعض المسلمين وقرابتهم