فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 160

وإن من حق هذا المنهج أن تزال العقبات كلها من طريق إبلاغ دعوته وبيانه للناس في كل زاوية من زوايا الأرض.وأن يكون لكل من شاء - ممن بلغتهم الدعوة - أن يدخل فيه فلا يضار ولا يؤذى في كل زاوية من زوايا الأرض.وأن تكون هناك القوة التي يخشاها كل من يفكر في الوقوف في وجه الدعوة - في صورة من الصور - أو مضارة من يؤمن بها - أي لون من ألوان المضارة - وبعد ذلك فالسلم قاعدة.والجهاد ماض إلى يوم القيامة.

ولكن هناك طائفة أخرى،لا يتسامح معها الإسلام هذا التسامح.لأنها طائفة منافقة شريرة كالطائفة الأولى.

وليست مرتبطة بميثاق ولا متصلة بقوم لهم ميثاق.فالإسلام إزاءها إذن طليق.يأخذها بما أخذ به طائفة المنافقين الأولى: «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ،يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ.كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها.فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ،وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ،وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ،وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا» ..

حكى ابن جرير عن مجاهد،أنها نزلت في قوم من أهل مكة،كانوا يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسلمون رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان،يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا،وهاهنا.

فأمر بقتلهم - إن لم يعتزلوا ويصلحوا - ولهذا قال تعالى: «فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ (المهادنة والصلح) وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ (أي عن القتال) فَخُذُوهُمْ (أسراء) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (أي حيث وجدتموهم) وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا» .

وهكذا نرى صفحة من حسم الإسلام وجديته،إلى جانب سماحته ونغاضيه ..هذه في موضعها،وتلك في موضعها.وطبيعة الموقف،وحقيقة الواقعة،هي التي تحدد هذه وتلك ..

ورؤية هاتين الصفحتين - على هذا النحو - كفيلة بأن تنشئ التوازن في شعور المسلم كما تنشئ التوازن في النظام الإسلامي - السمة الأساسية الأصيلة - فأما حين يجيء المتشددون فيأخذون الأمر كله عنفا وحماسة وشدة واندفاعا فليس هذا هو الإسلام! وأما حين يجيء المتميعون المترققون المعتذرون عن الجهاد في الإسلام،كأن الإسلام في قفص الاتهام وهم يترافعون عن المتهم الفاتك الخطير! فيجعلون الأمر كله سماحة وسلما وإغضاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت