فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 586

المسلمين من حب وطاعة ، وولاء .. إذ كانوا على يقين ، بأنه ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ لا يقضى إلا بالحق ، ولا يقول إلا بما أراه اللّه: « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى » .

ومع هذا ، فإن حكمة الحكيم العليم اقتضت أن تكون كلمة اللّه هى القضاء الفصل فيما اختلف فيه المسلمون ، حتى يعودوا من هذه المعركة ، وقد خلت نفوسهم من أي همّ من هموم الدنيا ، وحتى يكونوا جندا خالصا لدين اللّه ، لا يجاهدون إلا في سبيل اللّه ، وفى إعلاء كلمة اللّه ، دون التفات إلى شىء من هذه الدنيا ، وما يقع لأيديهم من مغانم الحرب .. فتلك المغانم ـ وإن كثرت ـ لا حساب لها في هذا الوجه الكريم الذي يتجه إليه المجاهدون في سبيل اللّه ..

ومن أجل هذا ، كان حكم اللّه قاضيا على المجاهدين بألّا شأن لهم بهذه الغنائم ، وأن أمرها إلى اللّه ، ثم إلى رسول اللّه يضعها حيث يشاء ، ويتصرف فيها كما يرى ..

تلك هى كلمة اللّه ، وهذا هو قضاؤه ..

« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ .. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ » .وانظر كيف كانت الحكمة في هذا الحكم ، وهذا التدبير الحكيم ..لقد كان ذلك أول الإسلام ، ومع أول تجربة يقع للمسلمين فيها خير مادىّ ، بعد أن احتملوا ما احتملوا من أذى وضر في أموالهم وأنفسهم ..

ولو كان الذي حدث في بدر جاريا مع موقع النظر الإنسانى ، لكان أول ما يتبادر إلى العقل هو التمكين للمسلمين الذين قاتلوا ، أن يحوزوا هذه الغنائم ، ليكون منها بعض العزاء لما ذهب منهم ، سواء أكانوا مهاجرين أو أنصارا .. حيث هاجر المهاجرون تاركين وراءهم الديار والأموال ، وحيث شاطرهم الأنصار ديارهم وأموالهم ..!

ولكن تدبير اللّه يعلو هذا التدبير ، وحكمته تقضى بغير ما يقضى به هذا النظر البشرى المحدود ..

فلو أن المسلمين شغلوا أنفسهم من أول خطوهم بهذه الغنائم ، لكان في ذلك جور على الدعوة التي دعاهم اللّه إليها ، وندبهم لها ، ولكان حسابهم معها قائما على الريح والخسارة في جانب الدنيا ، أكثر منه في جانب الدين ..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت