إخلاص الدين للّه وحده، ومحبة اللّه وعبادته، والأمر بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، والأعمال الصالحة والآداب النافعة، والنهي عن كل ما يضاد ذلك ويناقضه من الأخلاق والأعمال السيئة المضرة للقلوب والأبدان والدنيا والآخرة.
فأرسله اللّه بالهدى ودين الحق { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } أي: ليعليه على سائر الأديان بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، وإن كره المشركون ذلك، وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم، فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه، فوعد اللّه لا بد أن ينجزه، وما ضمنه لا بد أن يقوم به." [1] "
وقال المراغي:" (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ) أي يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور اللّه وهو دين الإسلام الذي أرسل به جميع رسله ، وأفاضه على البشر بما أوحاه على موسى وعيسى وغيرهما من رسله ، وأتمه وأكمله ببعثه خاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم - بالطعن في الإسلام والصد عنه بالباطل بمثل تلك الأقوال في عزير والمسيح ، وبما ابتدعه لهم الرؤساء من التشريع حتى صار التوحيد الذي به هو محض الشرك عندهم ، وصار المربوب ربا على تفاوت بين فرقهم في ذلك."
وهكذا عادى أهل الكتاب الإسلام منذ البعثة المحمدية ، وقصدوا إبطاله والقضاء عليه بالحرب والقتال ناحية ، وبالطعن وإفساد العقائد من ناحية أخرى ، وكل من الأمرين أرادوه لإطفاء نوره.
(وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) ببعثة محمد خاتم النبيين الذي أرسله إلى الخلق أجمعين وجعل آيته الكبرى وهى القرآن علمية عقلية وكفل حفظها إلى آخر الزمان ، وبين لهم فيه ما يحتاجون إليه من عقائد يؤيدها البرهان ، وتبطل بها عبادة الإنسان للإنسان ، فضلا عن الأصنام الأوثان ، وعبادات تتزكى بها النفس وتطهر من كل رجس ، وتجعل كفاية الأغنياء للفقراء حقوقا إلهية ويبطل ثوابها المنّ والأذى ، وآداب تطبع في الأنفس الفضائل ، وتشريع يجمع بين الرحمة والعدل والمساواة بين جميع الناس في الحق.
(1) - تفسير السعدي - (1 / 335)