دعوة الإسلام لحساب فرد أو جماعة ، وإنما هى خير ممدود للناس ، فمن طعم منه ، واستطابه ، فذلك له ، ومن أعرض عنه وتحاشى الأخذ منه فليس لأحد عليه سلطان:
« وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ » ..
وفى قوله تعالى: « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ » إشارة داعية إلى الرفق بهؤلاء المشركين الذين جاءوا ليعرضوا الإسلام على عقولهم ، فهم على جهل وجفاء ، وفى ظلام جاهلية طال عليهم الأمد فيها .. وإذ كان هذا شأنهم ، فإن من شأن من يتولّى الاستشفاء لهم من دائهم ، أن يترفق بهم ، حين يراهم يعشون عن النور ، ويعمون على الهدى ..
وفى قوله تعالى: « كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » . هو عرض للوجه العام للمشركين ، بعد هذا العرض لأفراد منهم ، استجابوا للرسول ، واستأمنوه ، ليروا ما بين يديه من الدين الذي يدعوا إليه.
وفى هذا العرض ينكشف ما عليه المشركون عامة ، من غدر وخيانة ، وتربّص بالمسلمين .. فهؤلاء لا عهد لهم ولا ذمة ، عند المسلمين .. باستثناء أولئك الذين أمضى المسلمون عهودهم معهم إلى المدة المتفق عليها فيما بينهم وبين هؤلاء الجماعات من المشركين ، وهم الذين استثناهم اللّه سبحانه وتعالى في قوله سبحانه: « إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ .. »
فهؤلاء المشركون سيظل المسلمون على عهدهم معهم ، ما داموا هم على الوفاء بعهدهم ، فإن بدا منهم ما يستشعر منه المسلمون غدرا أو خيانة ، نقضوا هذا العهد ، وقطعوا تلك المدة التي تضمنها العهد .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » .
وفى قوله تعالى: « كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ » تحذير للمؤمنين من أن يأمنوا جانب المشركين أيّا كانوا ، حتى هؤلاء الذين لم يظهر للمسلمين منهم غدر أو خيانة .. فذلك إن يكن