فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 332

والنصارى الذين يتبعون الرسول النبي الذي يجدون صفاته في التوراة والإنجيل الذي من صفاته ورسالته أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإباحة الطيبات لهم وتحريم الخبائث عنهم وتحريرهم من القيود والتكاليف الشديدة التي كانت مفروضة عليهم ولم تعد حكمة اللّه تقتضي دوامها في عهد هذا النبي. ولتأمر الثانية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالهتاف بأنه رسول اللّه إلى الناس جميعا وأنه مؤمن باللّه وبكلماته أي كتبه المنزلة السابقة ، وأنه يدعوهم إلى اتباعه ، كأنما أريد بهذا توجيه الخطاب لأهل التوراة والإنجيل بخاصة وإعلانهم بأن رسالته ليست خاصة بالعرب الأميين (غير الكتابيين) الذين هو منهم ، وإنما هي شاملة لهم ولغيرهم من جميع الأجناس والألوان والأديان.

وتعدّ الآيتان بما احتوتاه من أهمّ جوامع الكلم القرآنية كما تعدّ الأهداف التي تقررانها جماع أهداف الدين الإسلامي ومبادئه ، وخير ما يمكن أن تستهدفه الشرائع والأديان لتحقيق السعادة والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. وقد جاءتا في ذات الوقت لتمهد السبيل لإقبال اليهود والنصارى على الإيمان بالرسالة المحمدية ولفتح الباب على مصراعيه لتكوين وحدة أخوية إنسانية عامة في دين واحد يحتوي أسس الأديان السماوية ويعترف بكتبها وأنبيائها ويرفع الإصر والأغلال عن الناس ويزيل من بينهم المبهمات والمشكلات والخلافات ، ويقوم على أساس الأمر بكل ما عرف أنه خير وصلاح والنهي عن كل ما عرف أنه منكر وفساد وإباحة كل ما عرف أنه طيب وتحريم كل ما عرف أنه خبيث.

ولما كانت هذه الآيات مكية ومبكرة في النزول فإن فيها دلالة على أن الرسالة المحمدية حملت منذ بدئها المهام العظمى التي ذكرتها الآية الأولى ، وعلى أن صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانت موجودة في التوراة والإنجيل يجدها اليهود والنصارى فيهما. وعلى أن فريقا منهم اعترفوا بمطابقة صفاته على ما في أيديهم من الكتب وآمنوا به في وقت مبكر من العهد المكي. وعلى أن هذه الرسالة كانت منذ البدء رسالة عامة لجميع الناس والملل ، وردا على الذين يزعمون غير ذلك استدلالا من بعض آيات وجهت للعرب خاصة ، وغير مدركين ما يمكن أن يكون في ذلك من حكمة وخصوصية اقتضتها ظروف الخطاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت