فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 332

وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} 65 سورة النساء

يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ المُقَدَّسَةِ عَلَى أنَّ أولَئِكَ الذِينَ رَغِبُوا عَنِ التَّحَاكُمِ إلى الرَّسُولِ ، وَمَنْ مَاثَلَهُمْ مِنَ المُنَافِقِينَ ، لاَ يُؤْمِنُونَ إيمَانًا حَقًّا ( أَيْ إيمَانَ إِذْعَانٍ وَانْقِيَادٍ ) إلاّ إذَا كَمُلَتْ لَهُمْ ثَلاثُ خِصَالٍ:

-أنْ يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ فِي القَضَايَا التِي يَخْتَصِمُونَ فِيهَا ، وَلاَ يَبِينُ لَهُمْ فِيهَا وَجْهُ الحَقِّ .

-ألاّ يَجِدُوا ضِيقًا وَحَرَجًا مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ ، وَأنْ تُذْعِنَ نُفُوسُهُمْ لِقَضَائِهِ ، إذْعَانًا تَامًَا دُونَ امِتْعَاضٍ مِنْ قَبُولِهِ وَالعَمَلِ بِهِ ، لأَنَّهُ الحَقُّ وَفِيهِ الخَيْرُ .

-أنْ يَنْقَادُوا وَيُسَلِّمُوا لِذَلِكَ الحُكْمِ ، مُوقِنِينَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ فِي حُكْمِهِ ، وَبِعِصْمَتِهِ عَنِ الخَطَأ . [1]

وقوله تعالى: « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا » . هو بيان للإيمان الذي يقبل من هؤلاء الضالين الذين يريدون العودة إلى اللّه ، فإنهم لا يحسبون في المؤمنين ، حتى ينزلوا على حكم اللّه ، فيما يكون بينهم من خلاف ، فذلك هو الدستور الذي لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يستقيم عليه ، ويتقبل حكمه فيه ، بقلب مطمئن ، ونفس راضية ، ولو كان ذلك مخالفا لهواه ، مفوّتا لمصلحة خاصة له .. أما أن يأخذ من حكم اللّه ما يرضيه ، ويدع ما لا يستجيب لهواه ، ويلتقى مع رغباته ، فذلك هو النفاق مع اللّه ، ومع الرسول!

إن الإيمان هو التسليم المطلق لأحكام اللّه ، والولاء المطلق لرسوله ، وما يقضى به .. وبغير هذا لا يكون إيمان ، ولا يعتدّ بدعوى من يدعيه!

وفى إضافة النبي الكريم إلى اللّه في قوله تعالى: « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ » تشريف للنبى ، واستدعاء له إلى الحضرة العلية ليشهد هذا القسم العظيم ، وليكون شاهدا على هؤلاء الضالين المنافقين .. و « لا » النافية في قوله تعالى: « فَلا يُؤْمِنُونَ » هي توكيد للنفي السابق للقسم في قوله سبحانه: « فَلا وَرَبِّكَ » .. وقد فصل القسم بينهما. [2]

ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده - صلى الله عليه وسلم - .

إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج اللّه ممثلا - في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أحكام الرسول. وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين

وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - هو تحكيم شخصه. إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه. وإلا لم يبق لشريعة اللّه وسنة رسوله مكان بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وذلك قول أشد المرتدين ارتدادا على عهد أبي بكر - رضي اللّه عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين: بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير. وهو مجرد عدم الطاعة للّه ورسوله ، في حكم الزكاة وعدم قبول حكم رسول اللّه فيها ، بعد الوفاة! وإذا كان يكفي لإثبات «الإسلام» أن يتحاكم الناس إلى شريعة اللّه وحكم رسوله .. فإنه لا يكفي في «الإيمان» هذا ، ما لم يصحبه الرضى النفسي ، والقبول القلبي ، وإسلام القلب والجنان ، في اطمئنان!

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 558)

(2) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 827)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت