ليعود إلى العمل إذا دعت الضرورة. ورد الأمور إلى حالتها الطبيعية في الجماعة الإسلامية. فرد الإرث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم والنسب - كما هي أصلا في كتاب اللّه القديم وناموسه الطبيعي: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا» ..
وقرر في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهي ولاية تتقدم على قرابة الدم ، بل على قرابة النفس!: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» .. وقرر الأمومة الشعورية لأزواج النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالنسبة لجميع المؤمنين: «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» ..
وولاية النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولاية عامة تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها ، وأمر المؤمنين فيها إلى الرسول - عليه صلوات اللّه وسلامه - ليس لهم أن يختاروا إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» .
وتشمل مشاعرهم فيكون شخصه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أحب إليهم من أنفسهم. فلا يرغبون بأنفسهم عنه ولا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته! جاء في الصحيح: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» . وفي الصحيح أيضا أن عمر - رضي اللّه عنه - قال: يا رسول اللّه ، واللّه لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال - صلّى اللّه عليه وسلّم -: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» . فقال: يا رسول اللّه واللّه لأنت أحب إليّ من كل شيء حتى من نفسي. فقال - صلّى اللّه عليه وسلّم -: «الآن يا عمر» .
وليست هذه كلمة تقال ، ولكنها مرتقى عال ، لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب. فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حبا فوق ما يتصور ، وفوق ما يدرك! وإنه ليخيل إليه أحيانا أنه طوّع مشاعره ، وراض نفسه ، وخفض من غلوائه في حب ذاته ، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها ، حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! ويحس لهذه المسة لذعا لا يملك انفعاله