التَّعَسُّفَاتِ بَلْ نُخْرِجُهُ عَلَى قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةٍ أَلْبَتَّةَ غَايَتُهُ أَنْ يَلْزَمَ مِنْهُ أَنْ يَجِبَ الْوُضُوءُ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ وَهَذَا لَا مُنْكَرَ فِيهِ فَإِنَّ شَانَ الشَّرِيعَةِ تَخْصِيصُ الْوُجُوبِ بِبَعْضِ الْحَالَاتِ وَبَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَبَعْضِ الْأَشْخَاصِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ لَا إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ وَإِنَّمَا صَعُبَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ طُولَ عُمْرِهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَسْمَعْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا فَصَعُبَ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ وَكَمْ مِنْ تَفْصِيلٍ قَدْ سَكَتَ عَنْهُ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ وَأَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَلْبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّاتِ وَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْعُلُومِ وَكَثُرَ تَحْصِيلُهُ لَهَا اطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ تَحْرِيرُ هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدِي وَهُوَ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي يُقْبَلُ تَحْرِيرُهَا وَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ الْفُضَلَاءِ.
وَالثَّالِثُ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {عَفَا اللَّهُ عَنْك لِمَ أَذِنْت لَهُمْ} الْآيَةَ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فِي الْإِذْنِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ الْعَفْوُ عَنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ حَسْبَمَا بَسَطَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَمِنْهُ قوله تعالى {لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام يَكْرَهُ كَثْرَةَ السُّؤَالِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ حُكْمٌ} بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إذْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَى هَذَا الْمَعْنَى وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْأَفْعَالَ مَعَهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا وَقَدْ قَالَ صلى الله تعالى عليه وسلم {إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ فَحَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ} اُنْظُرْ الْمُوَافَقَاتِ لِلشَّاطِبِيِّ وَاَسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِعَدَمِهِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا أَحَدُهَا أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُكَلَّفُونَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ أَوْ التَّخْيِيرُ أَوْ لَا تَكُونُ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً فَإِنْ كَانَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً بِجُمْلَتِهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُكَلَّفِينَ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَوْ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالَةٍ مَا لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّا فَرَضْنَاهُ مُكَلَّفًا فَلَا يَصِحُّ خُرُوجُهُ فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا زَائِدٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ وَإِنْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَإِمَّا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَنْوَاعُهُ مَحْصُورَةٌ فِي الْخَمْسَةِ وَإِمَّا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَأَنْوَاعُهُ أَيْضًا مَحْصُورَةٌ فِي الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأُصُولِيُّونَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ هَذِهِ وَلَا مِنْ هَذِهِ فَكَانَ لَغْوًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا أَنَّهُ مُسَمًّى بِالْعَفْوِ وَالْعَفْوُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُتَوَقَّعُ لِلْمُكَلَّفِ حُكْمُ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ بِهِ قَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَارَدَ عَلَيْهِ حُكْمٌ آخَرُ لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ وَثَانِيًا أَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ أُخْرَوِيٌّ لَا دُنْيَوِيٌّ وَكَلَامُنَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَوَجِّهَةِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّالِثُ أَنَّ هَذَا الزَّائِدَ أَيْ مَرْتَبَةَ الْعَفْوِ إنْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَهِيَ أَنْ يُقَالَ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَخْلُوَ بَعْضُ الْوَقَائِعِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أَمْ لَا فَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَيْسَ إثْبَاتُهَا أَوْلَى مِنْ نَفْيِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَدِلَّةُ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ فَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُهَا إلَّا بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَدَعْوَاهُ وَأَيْضًا إنْ كَانَتْ اجْتِهَادِيَّةً فَالظَّاهِرُ نَفْيُهَا بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَاجِعَةً إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَلَيْسَتْ بِمَفْهُومَةٍ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى إثْبَاتِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ لَا دَلِيلَ فِيهِ فَالْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّ الْعَفْوَ أُخْرَوِيٌّ وَأَيْضًا فَإِنْ سَلِمَ لِلْعَفْوِ ثُبُوتٌ فَفِي زَمَانِهِ