الصفحة 42 من 139

الْمَطْلُوبِ وَلَا رَدَّ الْيَمِينِ أَصْلًا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: لَا أَرُدُّ الْيَمِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْكَشْوَرِيِّ عَنْ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: كَانَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى , وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ لَا يَرَيَانِ الْيَمِينَ - يَعْنِي لَا يَرَيَانِ رَدَّهَا - عَلَى الطَّالِبِ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّمِ يَابَى عَنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ , وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ , لَكِنْ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ طَلَاقًا وَأَمَتُهُ أَوْ عَبْدُهُ عَتَاقًا وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا بِذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ , وَأَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ , وَلَا بِرَدِّ الْيَمِينِ , لَكِنْ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ -. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ , وَأَصْحَابِنَا: فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّكُمْ رَدَدْتُمْ الرِّوَايَةَ فِي رَدِّ الْيَمِينِ بِأَنَّهَا عَنْ الشَّعْبِيِّ - وَلَمْ يُدْرِكْ عُثْمَانَ , وَلَا الْمِقْدَادَ , وَلَا عُمَرُ - ثُمَّ ذَكَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ رِوَايَةَ حُكُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَ عُمَرَ , وَأُبَيُّ. قُلْنَا: لَمْ نُورِدْ شَيْئًا مِنْ هَذَا كُلِّهِ احْتِجَاجًا لِأَنْفُسِنَا فِي تَصْحِيحِ مَا قُلْنَاهُ , وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ نَرَى فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حُجَّةً فِي الدِّينِ , وَلَكِنْ تَكْذِيبًا لِمَنْ قَدْ سَهَّلَ الشَّيْطَانُ لَهُ الْكَذِبَ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مُجَاهَرَةً , حَيْثُ لَا يَجِدُ إلَّا رِوَايَاتٍ كُلَّهَا هَالِكَةً , بِظُنُونٍ كَاذِبَةٍ , عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ رُوِيَ مِثْلُهَا بِخِلَافِهَا عَنْ ثَلَاثَةٍ آخَرِينَ مِنْهُمْ , فَأَرَيْنَاهُمْ لِأَنْفُسِنَا مِثْلَهَا , بَلْ أَحْسَنَ مِنْهَا عَنْ ثَلَاثَةٍ أَيْضًا مِنْهُمْ أَوْ أَرْبَعَةٍ , إلَّا أَنَّ الْمُوَافَقَةَ لِقَوْلِنَا أَصَحُّ ; لِأَنَّهَا عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي ذِكْرِ قَضِيَّةٍ بَيْنَ عُمَرَ وَأُبَيٍّ قَضَى فِيهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بَيْنَهُمَا وَالشَّعْبِيُّ: قَدْ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَصَحِبَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ كَثِيرًا - فَهَذِهِ أَقْرَبُ بِلَا شَكٍّ إلَى أَنْ تَكُونَ مُسْنَدَةً مِنْ تِلْكَ الَّتِي لَمْ يَلْقَ الشَّعْبِيَّ أَحَدًا مِمَّنْ ذَكَرَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ وَلَا أَدْرَكَهُ بِعَقْلِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ الْعَجَبِ أَنْ يُجَوِّزَ أَهْلُ الْجَهْلِ وَالْغَبَاوَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ لَا يَقْضِيَ بِالنُّكُولِ , وَلَا بِرَدِّ الْيَمِينِ , لَكِنْ بِالْأَخْذِ بِالْيَمِينِ وَلَا بُدَّ فِي بَعْضِ الدَّعَاوَى دُونَ بَعْضٍ بِرَايِهِ - وَيُجَوِّزَ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَالِكٍ فِي دَعْوَى الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ , وَلَا يُجَوِّزَ لِمَنْ اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى , إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ بَطَلَ الْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ , وَالْقَوْلُ بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الطَّالِبِ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ , لِتَعَرِّي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَنْ دَلِيلٍ مِنْ الْقُرْآنِ , أَوْ مِنْ السُّنَّةِ - وَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم , فَالْوَاجِبُ أَنْ نَاتِيَ بِالْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ صَحَّ مَا قَدْ أَوْرَدْنَاهُ آنِفًا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ {لَوْ أَعْطَى النَّاسَ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ} , وَمَا قَدْ أَتَيْنَا بِهِ قَبْلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ} . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ دُونَ بَيِّنَةٍ , فَبَطَلَ بِهَذَا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا بِنُكُولِ خَصْمِهِ أَوْ بِيَمِينِهِ إذَا نَكَلَ خَصْمُهُ ; لِأَنَّهُ أُعْطِيَ بِالدَّعْوَى. وَصَحَّ أَنَّ الْيَمِينَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عليه الصلاة والسلام عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ , فَوَجَبَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعْطَى الْمُدَّعِي يَمِينًا أَصْلًا إلَّا حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِأَنْ يُعْطَاهَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ فِي الْمُسْلِمِ يُوجَدُ مَقْتُولًا , وَفِي الْمُدَّعِي يُقِيمُ شَاهِدًا عَدْلًا فَقَطْ , وَكَانَ مَنْ أَعْطَى الْمُدَّعِيَ بِنُكُولِ خَصْمِهِ فَقَطْ أَوْ بِيَمِينِهِ إذَا نَكَلَ خَصْمُهُ قَدْ أَخْطَأَ كَثِيرًا , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت