ويتابع: ومن أدلة الاحناف على عدم تولية المرأة القضاء نفس الحديث الذي استدل به الجمهور كما جاء في البحر الرائق لابن نجيم 7/،8 وفي رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين 2/240 غير أنهم يرون أنها إن قضت في غير الحدود والقصاص ، فقضاؤها صحيح لأنها أهل لأن تقضي، فأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة كما في بدائع الصنائع للكاساني 9/4079. اما أدلة الظاهرية فتذكر فيما ورد في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"."
وقالوا إن الحديث يثبت أن المرأة راعية وأنها مسؤولة عما استرعيت عليه، فيصح أن تكون راعية إلا في الأمر العام وهو الخلافة لحديث أبي بكرة. أما ما عدا الخلافة فلا مانع منه كما نص على هذا الإمام ابن حزم في المحلى.
وورد في المحلى أيضا: أن عمر بن الخطاب ولى امرأة من قومه يقال لها الشفاء أمر السوق.
وهذا دليل على ان المرأة تلي بعض الولايات وأن المنع ليس من عموم التولية بل هو خاص بالخلافة فقط.
ويكمل: إذا نظرنا إلى هذه الأقوال تبينت لنا قوة قول الجمهور لقوة أدلتهم وسلامتها من المعارضة أما ما استدل به الظاهرية، فإن حديث"المرأة راعية"دليل في غير محل النزاع، وأما أثر عمر فلا دليل على صحته ولو صح فلا يدرى ما الذي ولاه عمر للشفاء، فلعله ولاها شيئا خاصًا بالنساء، وعليه فلا يصح شرعا تولية المرأة منصب القضاء كما هو الراجح من قول جمهور الفقهاء.
وقد جاء في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي:
"وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع".
منصب الافتاء
ويتحدث عن تولي المرأة الإفتاء فيقول:
الفتوى هي الإخبار بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام كما في الشرح الصغير للدردير.
والمرأة يجوز لها أن تفتي وأن تتولى منصب الإفتاء لأن مجال الفتوى أوسع من مجال الحكم والشهادة.
وقال الإمام ابن القيم في"إعلام الموقعين عن رب العالمين"للإمام ابن القيم 4/220:
"الفتيا أوسع من الحكم والشهادة، فيجوز فتيا العبد والحر والمرأة والرجل والقريب والبعيد والأجنبي والأمي والقارئ".
ولذلك فإن جمهور الفقهاء على أن للمرأة أن تفتي وأن تلي منصب الإفتاء وأن شرط الذكورية غير معتبر في المفتي.
وقد جاء في الدر المختار: وشرط بعضهم تيقظه أي تيقظ المفتي لا حريته وذكوريته. وجاء في تحرير الأحكام: وشروط المفتي خمسة: وهي الإسلام والبلوغ والعقل والعلم والعدالة، وجاء في روضة الطالبين: وينبغي أن يكون المفتي متنزها عن خوارم المروءة، فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر حسن التصرف والاستنباط، وسواء الحر والعبد، والمرأة، والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته، وجاء في المبدع: تصح فتيا مستور الحال في الأصح وإن كان عبدا أو امرأة.
حكم بيع المساجد:-
ما حكم بيع المسجد- إذا انتقل المسلمون عن المنطقة التي هو فيها وخيف تلفه أو الاستيلاء عليه - ، وكثيرًا ما يشتري المسلمون منزلًا ويحولونه مسجدًا ، فإذا انتقلت غالبية المسلمين من المنطقة لظروف العمل هجر المسجد أو أهمل ، وقد يستولي عليه آخرون ، ومن الممكن بيعه واستبداله بمسجد يؤسس في مكان فيه مسلمون . فما حكم هذا البيع أو الاستبدال ؟ وإذا لم يتيسر فرصة استبداله بمسجد آخر فما أقرب الوجوه التي يجوز صرف ثمن المسجد فيها؟
إن المواضع التي يصلي فيها المسلمون في البلاد الغربية على قسمين: الأول: ما يتخذونه موضع صلاة للمسلمين ، ومحل اجتماعاتهم الدينية ، دون أن يجعلوه مسجدًا فقهيًا ، بأن يقفوا ذلك المحل والبناء كمسجد ، ولذلك ربما يسمونها ( المركز الإسلامي ) أو ( دار صلاة ) أو ( دار جماعة ) ولا يسمونه مسجدًا .
وإن الأمر في مثل هذه المواضع سهل ميسور ، لأنها وإن كانت تستعمل للصلاة فيها ، ليست مساجد شرعية ، لأن أهلها لم يجعلوها مسجدًا ، فكلما أراد أهلها أن يبيعوا هذه المواضع لمصالح المسلمين جاز لهم ذلك بالإجماع.
والثاني: ما اتخذوه مسجدًا شرعيًا ، وجعلوا أرضه وقفًا كمسجد فالحكم في مثل ذلك عند جمهور الفقهاء أن هذا المكان يبقى مسجدًا إلى قيام الساعة ، ولا يجوز بيعه في حال من الأحوال ، ولا يرجع إلى ملك واقفه أبدًا ، وهذا مذهب مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله تعالى.
يقول الخطيب الشربيني الشافعي رحمه الله:
( ولو انهدم مسجد، وتعذرت إعادته أو تعطل بخراب البلد مثلًا، لم يعد ملكًا، ولم يبع بحال ،ولم ينقض إن لم يخف عليه بإمكان الصلاة فيه ولإمكان عوده كما كان... فإن خيف عليه نقض ، وبنى الحاكم بنقضه مسجدًا آخر إن رأى ذلك وإلا حفظه ، وبناؤه بقربه أولى ، ولا يبني به بئرًا ) (مغني المحتاج 2/392)
ويقول الموّاق من فقهاء المالكية: