وعرّفناها اصطلاحًا بأنها ما نزل عن الضرورة بحيث يؤدي فقده إلى مشقة وقلق وحصوله إلى سعة وتبسط.
ثم إن الحاجة منها ما هو حاجة عامة بشرية وهذه تحدث حكمًا مستمرًا وهي من باب الكلي الذي لا يجب تحققه في آحاد صوره فتكون أساسًا للاستحسان والاستصلاح.
وحاجة خاصة فقهية تعتبر توسيعًا للضرورة تعطي حكمها وتقدر بقدرها وأنها رخصة بالمعنى الأخص، وذكرنا أمثلة لذلك وناقشنا وضع قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في القواعد الفقهية وأخرجنا أصلها الأصولي مسلسلًا من الجويني إلى تلاميذه.
كما أوضحنا أن قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة ليست على إطلاقها وإن الحاجي لا يمكن أن يكون ندًا للضرورة الفقهية وأن الأمثلة التي ذكروها منها - وهو أغلبها - منصوصة في الشرع فما معنى كون الحاجة تنزل منزلة الضرورة فيه إلاّ أنه استثناء من أصل يفيد التحريم كما الضرورة استثناء من نصوص تقضي بالتحريم.
وما عدا هذه المقارنة الجزئية فلا يبدو تنزيلها منزلة الضرورة مطردًا حتى يكون قاعدة فقهية قد بيّنا أنه لا تبيح ما كان النهي فيه قويًا كمحرمات المقاصد فلم تنزل منزلة الضرورة فيها.
وأشرنا إلى تفاوت درجة النهي في المنهيات وبيّنا أنها لا تواجه نصًا بالرفع ولا ترفع عامًّا في كل مدلوله بل ترفع جزئية من جزئياته وهي في الغالب جزئية تنتمي إلى العام بضعف وتلك نكتة لم يطلع عليها الباحثون وقد أيدناها بالاستقراء.
كما أبدينا أوجهًا أخرى تدخل فيها الحاجة حيث لا يكون الخلل في العقد مقصودًا أو حيث يكون الغرض من العقد معروفًا أو فيه شائبة المعروف والارتفاق أو يكون الخلل تابعًا وليس متبوعًا، أو تتوخى الحاجة مواقع الخلاف لتكون مرجحًا لقول مرجوح عرف قائله وثبت عزوه.
وأجملنا الفروق الجوهرية في المراتب الثلاث: مرتبة المشقّة، ومرتبة النهي، ومرتبة الدليل.
وهكذا اتضحت الخطوط الدقيقة للفرق بين الضرورة والحاجة التي فصلناها في القائمة الملحقة.
وذكرنا بعض التطبيقات من قرارات مجمع الفقه الإسلامي بجدة تراوحت بين الإقدام والإحجام طبقًا لتقدير النهي والحاجة والتفاتًا في الغالب إلى وجود نقل يستأنس به أو أصل يعتمد عليه بعد أن ذكرنا قرارًا واحدًا للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وعلقنا على هذه القرارات تعليقًا موجزًا دون مناقشة قد تطول وتخرجنا عن سياق المطلوب في هذا البحث وأبدينا وجهة نظرنا الخاصة التي توافق قرارات المجمعين أو تخالف وتباين القرارات وبخاصة في مسألة تأجيل البدلين.
كل ذلك باختصار تارة بالعبارة الصريحة أو بالإشارة السريعة التي يفهمها أهل الاختصاص.
الفروق:
من حيث التعريف: الضرورة شدة وضيق ومشقّة تبيح المحرّم كالميتة والدم ولحم الخنزير ومال الغير والحاجة: افتقار ونقص فهي أعم من الضرورة .
الضرورة: أدلتها نصوص واضحة، والحاجة: أدلتها عمومات.
الضرورة الفقهية: لا تحتاج إلى نص في كل حالة تنزل فيها بل إن الإذن بها عام سوى ما استثنى لأدلة أخرى وقرائن . والحاجة: تفتقر إلى نص لإثبات اعتبارها وأكثر الأمثلة المذكورة كالإجارة والقراض والمساقاة منصوصة.
الضرورة: ترفع النص وغيره، والحاجة مجالها هو تخصيص العموم عند من يراها وبخاصة ما كان تناوله بالعموم ضعيفًا، وقد تخالف قياسًا وتستثنى من قاعدة.
الضرورة: أثرها مؤقت محدود بها والحاجة العامة أثرها مستمر.
الضرورة شخصية لا ينتفع بها غير المضطر والحاجة لا يشترط فيها تحقق الاحتياج في آحاد أفرادها.
الضرورة رخصة بالمعنى الأخص والحاجة العامة ليست رخصة بالمعنى الأخص.
الضرورة ترفع نهيًا في مرتبة عليا من سلم المنهيات كما ترفع غيره.
والحاجة لا ترفع نهيًا في مرتبة عليا من مراتب النهي بل تتوخى محرّمات الوسائل دون محرمات المقاصد.
الضرورة تبيح العقود التي يكون الخلل فيها أصليًا أو تابعًا والحاجة تبيح العقد الذي يكون فيه الخلل تابعًا ومضافًا.
الضرورة تبيح الكثير واليسير والحاجة تبيح اليسير لا الكثير.
الضرورة تبيح الخلل المقصود وغيره، والحاجة تبيح غالبًا الخلل غير المقصود في العقد.
الضرورة لا تختص بعقد دون آخر، والحاجة تبيح الممنوع أحيانًا في سياق إرفاق ومعروف دون قصد المكايسة.
الضرورة لا تفتقر إلى خلاف، والحاجة ترجح الضعيف في محل الاختلاف بشروط.
وأخيرًا لعلنا بهذه الفروق التي تسجل لأول مرة بهذه الطريقة أسهمنا في تجلية هذه المسألة أو على الأقل بيّنا الوجهة الصحيحة التي يجب على الباحثين أن ينموها والمسالك التي ينبغي للدارسين أن يسلكوها، وناقشنا مناقشة غير مسبوقة قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في القواعد الفقهية مع أننا لا ندعي الاستيعاب.
وبالنسبة لفقه الأقليات فإن هذه القاعدة بالإضافة إلى الأمثلة المذكورة في أثناء البحث لها علاقة حميمة بكثير من مسائل فقه الأقليات وتمثل أساس الترجيح في القضايا الخلافية كالجمع بين الصلاتين لحاجة المغترب العامل بناء على ما ذهب إليه طائفة من الفقهاء منهم أشهب من المالكية وابن المنذر من الشافعية وابن سيرين وابن شبرمة إلى جواز الجمع لحاجة ما لم يتخذ ذلك عادة.