إنها أمثلةٌُ عجلى من لبس الحق بالباطل وأوصاف ومظاهر للغربة تطال الدين وأهله، وهكذا أصبح الإسلام يموج وسط أمواجٍ من الغربة التي بدأ بها وانتهى إليها، فأين، أين المصلحون ؟ قال رسول الله: (( بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء ) )! قالوا: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: (( الذين يُصلحون إذا فسد الناس، ولا يمارون في دين الله، ولا يكفرون أحدًا من أهل التوحيد بذنب ) ).
إن علينا أن نجد لأنفسنا دورًا نحتسب من خلاله إصلاح فساد الناس وتخفيف مظاهر الغربة والمساهمة في نصرة الأمة، كل بما يستطيع، إن علينا أن نوقظ في حس كل مسلم ووعيه أن يزن الأمور بميزان الشرع ويحتكم إلى الكتاب والسنة، وألا ينخدع بزخرف أهل الباطل وكذبهم، إن علينا أن نقيم في الأمة وسائل دفع هذه الغربة وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الثبات في مواجهة الابتلاء وبناء الدول والمجتمعات على الحق دعوتهم للخير والتمسك برباط الطائفة المنصورة الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، فالعزة لأهل الإيمان والحق باقية ما استقاموا على النهج وأصلحوا أنفسهم ومن حولهم، وإن خيرية الأمة محفوظة ما استقامت على الطريقة، وإن على المسلمين اليوم وبين أيديهم كتاب الله وسنة نبيهم أن يتقوا ربهم وأن يراجعوا أحوالهم وينظروا في سنن الله وأحوال من قبلهم ومع غيرهم ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِى الأرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:14] .
إن الخلافة والتمكين مرتبطةُ بالأعمال الصالحة، والله سبحانه ناظر كيف يعملون وما يبرمون ومن ظلم وخالف فلن يفلت من سنة الله في الظالمين.
وإن مما جلب الغربة للأمة وأعاق نصرها وسبب ماحاق بها من بلاءٍ أنها دانت بمنهاج على غير دين الله، اختلطت عليها السبل، واصطبغت بغير صبغة الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138] ، تغيرت أحوالهم وفرطوا في دينهم، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وتركوا الجهاد، لم يكونوا أشداءَ على الكفار ولا رحماءَ بينهم، ولم يعدوا ما استطاعوا من قوة.
أما أعداء الأمة فإنهم مخذولون مهزومون بحول الله، وخَبَر الله فيهم لا يتخلف لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى [آل عمران:111] ، إنه ضرٌ لا يؤدي إلى هدم كيان الأمة، وخبر الله فيهم مؤكد وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الاْدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ [آل عمران:111] .
إن النصر الموعود لهذه الأمة وللطائفة المنصورة من الله، وهذا النصر ليس مرتبطًا بشخص أو دولة، يزول بزوالهم، بل إن جذوره لتضرب في الأرض وتقاوم عوادي الحوادث، وعلى مر العصور ظلت دولة الإسلام ـ رغم ما أصابها ـ قائمة ممكنة، يستظل المسلمون بظلها قرونًا طويلة، وبالرغم من حرب وكيد اليهود والنصارى ومن عاونهم ظل الإسلام يشمخ برأسه عزيزًا، يمثله المؤمنون المتمسكون، والعلماء العاملون، والمجاهدون المستبسلون تصديقًا لموعود الله ببقاء الطائفة المنصورة وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه.