فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 830

شهدت العاصمة البريطانية لندن مؤخرا المؤتمر الدولي الأول للوسطية الإسلامية، في بريطانيا تحت شعار"ارتباط بالأصل واتصال بالعصر"، بدعوة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمركز العالمي للوسطية الإسلامية بالكويت.

وكانت وزارة الأوقاف الكويتية قد نظمت في 21 مايو 2005 مؤتمرًا دوليًا في الكويت حول خطر التطرف في المجتمعات الإسلامية شارك فيه مفكرون وشخصيات من مختلف البلدان الإسلامية، وحمل المؤتمر عنوان (الوسطية منهج الحياة) .

وقد حضر المؤتمر العديد من الشخصيات الدينية والفكرية والإعلامية البارزة، مثل د. محمد سليم العوا، والشيخ عبد الله بن بيه، والشيخ عبد الستار أبو غدة، ود. صلاح الصاوي، والشيخ محمد الحسن الددو، والشيخ عبد الله الجديع، والشيخ على القرة داغي، والشيخ أحمد الراوي، رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية، وعشرات الشخصيات البارزة.

وتناولت جلسات الحوار، التي امتدت على مدى ثلاثة أيام مجموعة محاور، تلخصت أساسًا في مبادئ العقيدة في ضوء الوسطية، وأصول فقه الأقليات في بلاد الغرب، والعلاقات الإنسانية في ضوء الوسطية، والوسطية بين واجب المواطنة في أوروبا وحفظ الهوية الإسلامية، ودور المرأة في الأسرة والمجتمع، والوسطية عبر بوابة الإعلام.

حاجتنا لترسيخ مفهوم الوسطيّة

يتفق العلماء والمثقفون المنصفون أن الدين الإسلامي يعارض التطرف الديني والغلو والتعصب والأفكار التكفيرية، ويحترم التعددية الثقافية والدينية والحضارية، وينبذ العنصرية.

والإسلام تميز منذ فجر دعوته في العهد النبوي بالتوسط والاعتدال والسماحة واليسر، ودفع الحرج والمشقة سواء في العقيدة أو العبادة أو الأخلاق والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية والإنسانية؛ فهو دين الحنيفية السمحة.

الوسطية في التصور الإسلامي، هي المنهج الوحيد الذي يصلح لأن يكون البديل عن منزلق الإفراط وهاوية التفريط، واعتماد الوسطية في الرؤية والفكر والمعالجة ينبغي أن يتداعى له أهل العلم والفكر والرأي ، والرد على محاولات تفريغ الإسلام من محتواه، وتعطيل رسالته، أو تشويهها، في مقابل التصدي لنزعات التشدد، والتطرف والغلو التي كان لها دور ملموس في التعمية على صورة الإسلام النقية.

ويؤكد العلماء المسلمون أن من أسباب التعصب تضخيم الذات والجهل والتخلف المعرفي، إضافة إلى غياب أخلاقيات التعامل مع المخالف.

والعوامل التي تؤدي إلى التطرف والتعصب متداخلة منها ضعف البصيرة بحقيقة الدين، مما ينتج عنه التفريط والتسيّب، وينتج عنه في نفس الوقت التشدّد والغلوّ.

وحتى يكون تناولنا لقضية الوسطية تناولًا سليمًا، فإننا نرجع أسباب الإرهاب إلى غياب الحريات والدساتير ووجود الحاكم المستبد وشيوع الظلم في المجتمعات، وليس هذا فقط، بل هناك أسباب عديدة أدت إلى استفحال الإرهاب في العالم.

إن ما يفعله الغرب المسيحي من أفعال، وما يتخذه من مواقف ضد العرب والمسلمين ممتدة عبر عشرات بل مئات السنين، وكان أقربها تلك الرسوم المسيئة، يدعم ما يقوله كثير من المسلمين أن التطرف وُلِد مع الغرب الصليبي، وأن نشوء حركات إسلامية مغالية ما هو إلا رد فعل لإصرار الغرب على معاداة ديننا الإسلامي الحنيف وفرض رؤيته علينا.

الوسطية ومواجهة الاحتلال والهيمنة

إن الفكر الوسطي يرى أن الإسلام يعترف بالتعددية الدينية والدولية، ويلتزم بالعهود مهما اختلفت العقائد، كما يلتزم بالتسامح والتعايش مع الملل الأخرى على أساس المعاملة بالمثل، كما يتعاون مع الدول الملتزمة بالعدالة والسلام. ولكن بالنسبة للمعتدين والمحتلين فإن الواجب الديني والقانوني هو التصدي لهم (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) .

فالممارسات الاستعمارية الصهيونية في فلسطين المحتلة، وكذلك ممارسات الاستعمار الأمريكي في العراق وأفغانستان، ومشاريعه في الهيمنة والسيطرة على العالم الإسلامي، تؤثر بشكل مباشر في ملايين من العرب والمسلمين.

كما أن سياسات الهيمنة الأجنبية في المنطقة العربية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ترسخ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وتسكت عن ممارساته المتحدية للشرعية الدولية، بل وتدعمه ماديًا وعسكريًا، وتحول دون قيام الأمم المتحدة بدورها في مواجهة العدوان، وتعتمد معيارين في مواقفها؛ تثير الغضب والنقمة وتدفع الشباب العربي والإسلامي إلى اللجوء للفكر المتطرف، ومن ثم ممارسة العنف في مواجهتها.

وإذا كنا لا نجوّز قتل المدنيين، إلا أننا ندرك أن غياب العدالة، والاعتداء على سيادة الناس واستقلالهم، وتدمير منازلهم وتجريف مزارعهم، والعدوان على مساجدهم، هو الدافع الرئيس لهذا النوع من العمل.

ولا نستطيع أن نتحدث في مثل هذه الأجواء عن الوسطية المعتدلة، فلا وسطية مع الاحتلال والهيمنة والاستيلاء على مقدرات الأمة وقتل أبنائها.

فالمقاومة حق مشروع لتحرير الأرض والعرض، والوقوف في وجه مخططات الأعداء الرامية إلى إذلال الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت