ولا أرى مناسبة إطلاق هذا الاصطلاح على بعض البلاد الإسلامية، وإن كانت في واقعها بعيدة عن الإسلام، ويجد المسلم المحافظ على دينه فيها الغربة؛ لأننا بهذا كأننا نساويها ببلاد الكفر، ونحكم على هذه البلاد بأنها غير إسلامية، ونحكم على معظم أفرادها بأنهم غير مسلمين وهذا غير صحيح، نعم قد تكون هذه البلاد مقصرة في تطبيق الشريعة، وقد يكون كثير من أفرادها غير ملتزمين بأحكام الدين، ولكن يبقى لهذه البلاد وأهلها وصف الإسلام، فهم ينتسبون إلى الإسلام ويرفعون شعاره ولو ظاهرًا، وتظهر فيها الشعائر التعبّدية، وتجد أكثر أهلها ملتزمين في الجملة بأحكام الإسلام، بخلاف البلاد الكافرة التي لا تنتسب إلى الإسلام في شيء، وتظهر فيها معالم الكفر، فهناك فرق كبير بين الحياة في هذه البلاد والحياة في بلاد الكفر، ولو افترضنا وجود بعض المسائل التي يحصل فيها اشتراك فهي قليلة لا تقتضي التسوية بينهما في الحكم.
نريد أن تُجملوا لنا معالم وأصول وقواعد هذا الفقه، حتى يمكن ضبط الفروع المندرجة تحتها؟
ينبغي في البداية أن نعلم أن فقه الأقليات الإسلامية هو جزء من الفقه الإسلامي، وليس أجنبيًا عنه، ولهذا فهو يحمل معالم وأصول الفقه الإسلامي المعروفة لدى الفقهاء، ولكنه يتميّز في موضوعه بجملة أمور أُجْمِلُها فيما يلي:
-يعتمد هذا الفقه في كثير من مسائله على قواعد الضرورة والحاجة.
-كما يعتمد في كثير من مسائله على تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد، والموازنة بينهما.
-دراسة هذا الفقه تقتضي إدراك واقع الأقلّيات الإسلامية من ناحية أحوال حياتهم الاجتماعية والسياسية، ومعرفة طبيعة أعمالهم، وعلاقاتهم مع غيرهم، وما يمرّون به من أحوال وعوائد تؤثر في إعطاء الحكم.
-دراسة هذا الفقه تحتاج إلى الإلمام في الجملة بالأنظمة والقوانين التي تُفرض على المسلمين في تلك البلاد.
-ضبط فقه الأقليات الإسلامية يقتضي من صاحبه الاطّلاع على المسائل والوقائع التي يكثر السؤال عنها في بلاد الأقليات سواء كان هذا في جانب العبادات أو المعاملات أو الأحوال الشخصية، وغيرها، ويوجد هذا في فتاوى العلماء المشهورين، وفي قرارات المجامع الفقهية التي تناولت فقه الأقليات الإسلامية، وفي الدراسات والأبحاث العلمية التي تناولت هذا الفقه من قبل المهتمين من أهل العلم.
هناك الكثيرون في الأقطار الإسلامية يهاجرون إلى دول غربية، إما لضغوط سياسية أو اقتصادية لتحسين المستوى المادي والحياة الجيدة، مع أن الفتوى السائدة لا تسمح للمسلمين أن يهاجروا إلى بلاد غير إسلامية مهما كانت الظروف أو الضغوط. فما رأي فضيلتكم؟
الانتقال إلى الأقطار غير الإسلامية والإقامة فيها تختلف دوافعه وأسبابه من شخص إلى آخر، ولذا فإن الحكم الشرعي يختلف باختلاف الدافع والسبب الحامل على ذلك، فإذا اضطر المسلم إلى الانتقال إلى تلك البلاد والإقامة فيها بسبب أنه يحصل له في بلده اضطهاد في دينه بحيث لا يستطيع أداء الشعائر التعبّدية، وخشي أن يُفتن في دينه أو يلحقه أذى في نفسه أو ماله أو أهله أو عرضه، فحينئذ له أن ينتقل إلى البلد التي يأمن فيها من هذه المفاسد، قال ابن حزم -رحمه الله-:"وأما من فرّ إلى أرض الحرب بظلم خافه، ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره".
واشترط بعض الفقهاء لجواز اللجوء إلى بلد الكفر في هذه الحالة ما يلي:
أن يقع الظلم حقيقة على المسلم في بلاد الإسلام، وأن توفر له البلد التي لجأ إليها الأمن والحماية، وألاّ يوالي الكفار أو يعينهم على المسلمين، وأن ينوي الرجوع متى زال العذر، وأن يلتزم بأحكام الإسلام في البلد التي لجأ إليها، وأن يدعو غيره للإسلام، وهذا يدخل في قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات.
ويجوز أيضًا السفر إلى البلاد غير الإسلامية لأي غرض صحيح كغرض الدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام، وتعليم الناس أحكام دينهم، وكغرض الدراسة وطلب العلم الذي لا يوجد في بلاد المسلمين، ومثل السفر للتداوي والعلاج، وكذلك السفر للتجارة.
وتجوز الإقامة هناك لمن كلّفه ولي الأمر بالعمل في السفارات والقنصليات والمراكز الإسلامية لرعاية شؤون الجالية الإسلامية هناك، وهذا العمل له أثر كبير في الاهتمام بشؤون الجالية، وتنظيم أمورها وأحوالها، والتعريف بالإسلام وبث الدعاة، والتحذير من المفاسد المنتشرة في بلاد الكفر.
ويتضح من خلال الإجابة عن هذا السؤال أن ما ذُكر من أن الفتوى السائدة لا تسمح للمسلمين أن يهاجروا إلى بلاد غير إسلامية مهما كانت الظروف أو الضغوط غير صحيح، ولكن الفتوى مقيّدة بشروط محددة يلزم توافرها للقول بالجواز، وبعض هذه الشروط محل اجتهاد عند الفقهاء.
في ظل هجرة هؤلاء، يأخذ الكثير منهم جنسية البلاد التي يعيشون فيها، والبعض يحرم هذا. فما رأي فضيلتكم في حصول المسلم على جنسية بلد غير مسلم؟