فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 608

(3) الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ وَيَنْفَعُ النَّاسَ .

فَهَذِهِ الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ لَا يَتْرُكُهَا إِنْسَانٌ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا وَالْأَخْذِ بِهَا إِلَّا وَيَكُونُ مَنْكُوسًا لَا حَظَّ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ فِي دُنْيَاهُ وَلَا فِي آخِرَتِهِ ، بَلْ يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْمُظْلِمَةِ الَّتِي لَا مَقَرَّ لَهَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا دَارَ الْخِزْيِ وَالْهَوَانِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا .كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْكَارِهِينَ لِلْقِتَالِ لَا سِيَّمَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ: إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ ، وَمِنْ إِيذَائِكُمْ وَفِتْنَتِكُمْ عَنِ الْإِيمَانِ ، وَمِنْ مَنْعِ إِخْوَانِكُمْ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَيْكُمْ بَعْدَ طَرْدِكُمْ مِنَ الْأَوْطَانِ ، وَمِنَ الْقَصْدِ إِلَى قِتَالِكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ لِتَخْسَرُوا دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتَكُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْجِمُوا عَنْ قِتَالِهِمْ عِنْدَ الْإِمْكَانِ ، وَلَا أَنْ تَحْفِلُوا بِإِنْكَارِهِمْ عَلَيْكُمُ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ." [1] "

وقال الخطيب:"شنّع المشركون على المسلمين لأن قاتلوهم في الشهر الحرام ، ووقع في نفس المسلمين شىء من الحرج من القتال في الأشهر الحرم ، وجالت في أنفسهم خواطر التساؤلات ، فجاءت آيات اللّه تجلو هذا الموقف ، وتكشف هذا الحرج."

وقد بيّن القرآن الكريم في قوله تعالى: « الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ » موقف المسلمين من حرمة الأشهر الحرم إذا بدأ هم العدو بقتال فيها ، وأنه لا حرمة لهذه الأشهر حينئذ ، إذ كانت حرمة دمائهم فوق كل حرمة!.

وهنا جاء قوله تعالى: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ، قِتالٍ فِيهِ » تحريرا للسؤال الدائر في شعور المسلمين وعلى ألسنتهم .. وقوله تعالى: « قِتالٍ فِيهِ » بدل من الشهر الحرام .. أي يسألونك عن الشهر الحرام .. أي يسألونك عن الشهر الحرام ، عن قتال فيه.

وكان قوله تعالى: « قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » ـ جوابا شافيا لهذا السؤال الحائر.

ومفهوم هذا الجواب: أن القتال في الشهر الحرام إثم كبير .. ولكن الصدّ عن سبيل ، والكفر باللّه وبالمسجد الحرام بما استباح المعتدون من حرمته ، وإخراج أهله المؤمنين به من جواره .. كل هذه الحرمات المستباحة أكبر في استباحتها إثما من استباحة القتال في الشهر الحرام .. إذ الفتنة أكبر من القتل ، والمشركون يعرضون المؤمنين للفتنة في دينهم بصدّهم عن سبيل اللّه ، وإخراجهم من ديارهم بالبلد الحرام.

(1) - تفسير المنار - (2 / 252)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت