مائج، مهدد متوعد، مستعز بالقوة الغاشمة التي بين يديه، وبالسلطان المادي الذي يرتكن إليه!
{وقال الملأ من قوم فرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال: سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون} . .
إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره؛ أو أن له سلطانًا في عالم الأسباب الكونية. إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه؛ وأنه بإرادته وأمره تمضي الشؤون وتقضى الأمور. وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه، وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك، كما هو ظاهر من قول الملأ له: {ويذرك وآلهتك} وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية. إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم، لا يعصون له أمرًا، ولا ينقضون له شرعًا. . وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة. . فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه، وذلك هو تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى عن اليهود والنصارى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. . . الآية} عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانيًا جاء ليسلم - فقال: يا رسول الله ما عبدوهم.
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال؛ فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» . . (أخرجه الترمذي) .
أما قول فرعون لقومه: {ما علمت لكم من إله غيري} فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه: {اليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين. ولا يكاد يبين؟ فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين؟} وظاهر أنه كان يوازي بين ما هو فيه من ملك ومن