إنَّ الله عز وجل جبل الإنسان على أوصاف جالبةٍ للنفع, وعلى أوصاف دافعة للضر, فخلق الحياء لجلب النفع ودفع الضر جميعًا, فيحمل الحياء العبد على فعل ما يستحي من تركه وترك ما يستحي من فعله, فقد جمع من الخير ما تفرق في غيره؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحياء من الإيمان) فشبهه بالإيمان؛ لاستوائهما في الحثِّ على كل حسن, والزجر عن كل قبيح.
والإنسان قد يفعل البر حياء وقد يفعله رياء.
وما يفعله الإنسان حياءًا: مثل أنْ يسأل شيئا من أنواع البر فيدفعه حياء من السائل أن يمنعه, فله أربعة أحوال:
1.أن يدفعه رياء: فهذا مذموم لأنه قدم الحياء من الخلق على الحياء من الله سبحانه وتعالى.
2.أن يفعله إخلاصًا وحياء: فهذا ممدوح مأجور لأنه استعمل الحياء في موضع ينبغي أن يستعمل الحياء فيه.
3.أن يتردد بين كونه مرائيًا أو كونه مستحيًا: فلا يقضى بإثمه ولا بكونه مخلصا لأننا لا نتحقق إخلاصه فيكون مأجورًا ولا نتحقق رياءه فيكون مأزورًا.
4.أن يعلم أنه فعله حياء من غير إخلاص ولا رياء: فهذا محمودٌ لا مأجورٌ ولا مأزور, ومثل هذا عزيز الوجود فيفعل العبد فعلًا لا لغرض.
ومن أمثلة ترك البر حياء: أن يرى إنسانًا قد ألم بذنب يجب الإنكار عليه, فيترك الإنكار عليه؛ حياء من شيبته ووقاره, فهذا عاص لله تعالى من وجهين:
1.أنه ترك النكير على من يجب عليه الإنكار.
2.أنه قدم استحيائه من ذلك الإنسان على استحيائه من الملك القدير, ولو لاحظ عظمة الله تعالى لم يستح إلا منه, ولكن الغفلة عن ملاحظة العظمة أوجبت له ذلك [1] .
(1) انظر: مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل (1/107-109) , فصلٌ في سبب التباس الحياء بالرياء.