ويبدو أن هذا الاختلاف منشؤه اختلاف الطرفين في نوع المناظرة التي يقارنها بالمجادلة ، وذلك لوجود صورتين للمناظرة: الصورة المأمولة والصورة الواقعية . فمن يثبت الفرق يضع في ذهنه المناظرة المأمولة التي تعادل البحث والنظر و التي وضع لها البعض شروطًا وقواعد يرون ضرورة التزام المتناظرين بها [1] . أما من ينفي الفرق بينهما فيضع في ذهنه السمات الغالبة على المناظرة في الواقع والتي تأخذ شكل التحدي المبطن أو السافر ويحتشد لها الجمهور من أتباع الطرفين أو المحايدين ، ولا تختلف عن المجادلة من هذه الناحية . فالألمعي مثلًا يشير إلى الصورة الواقعية فيقول:"مجالس المناظرة كان يكتنفها في معظم الأحيان اللدد والحجاج وتحزب كل فريق لرأيه وبذل الجهد في تأييده وتدعيمه ، مما دعا إلى توسع دائرة الخلاف وتشعب طرق النقاش" [2] . ويؤكد آخرون هذه الحقيقة بجعلهم من صفات المناظرة: المصارعة والإفحام والإلزام [3] والانقطاع [4] .
والملاحظ أنه كلما زادت هوة الاختلاف والتعارض بين الطرفين كلما كانت المناظرة حامية أكثر ، وكلما زادت شعبية وجهة نظر الطرفين كلما كانت المناظرة أيضا أشد خصومة ، ومثال ذلك المناظرات التاريخية بين بعض المسيحيين وبعض المسلمين ، وبين بعض أهل السنة وبعض أهل البدع التي تخرج من الملة .
وهذا لا ينفي وجود بعض المناقشات الهادئة بين بعض المختلفين في الرأي الفقهي فتنطبق عليها الصورة المأمولة للمناظرة . وهذه عمومًا حالات لا تمثل السمة الغالبة للمناظرات الواقعية .
(1) انظر مثلًا: أبو زهرة ص6؛ السعدي ، وحسن 875-1200 .
(2) الألمعي ، مناهج ص33 .
(3) الجويني ص17-18؛ جريشة، مناهج ص 75 .
(4) حسن ص127 .